ثمة كثير من الأمور التي يتجاوز خطرها الفرد إلى خطورة كامنة على المجتمع كله : على ثقافته ، وأخلاقه ، وقيمه ، وعلى مستقبله المرهون بحاضره وماضيه ، ولكنَّ كُمونَ خطورتها تغرُّ بعض الناس حين يقيسها على مستواه الشخصي ، وهي في الحقيقة تؤثر فيه أوَّلًا ، ثم في غيره ثانيا .
ولعل من أخطر الجوانب الثقافية التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم هي " الفن والتمثيل "، فقد غدت البيوت اليوم رهينةَ تلك الشاشات الفضائية المشبعة بالمسلسلات ، والأفلام ، والمسرحيات ، وأبطال السينما والغناء والطرب ، ولا يكاد ينجو أحد من هذه البؤر المظلمة إلا القليل ، فلكِ أن تتخيلي أختي السائلة حجم الضخ الثقافي الهائل الذي يتدفق من هذه الفئة من الناس !
ولو سألنا أنفسنا من أين وفدت علينا ثقافة الغرب الكافر بل الملحد ، ومن أين وفدت إلينا فنون العلاقات المحرمة بين الجنسين ، وما الذي أوقد سعار الشهوة والفتنة ، وكيف تسلَّلت إلينا عادات أمم تخبطت في الجهل واللذة والشهوة ، بل من أين تعلَّمَ أبناؤُنا الجريمة والقطيعة والتيه والضياع ، وما الذي حوَّلَ عقول وقلوب كثير من الناس إلى مسرحٍ للأوهام والأحلام الضائعة والأماني الكاذبة .
ولو سألنا أنفسنا أين ذهبت طاقات الشباب ، وفي أي شيء صرفت الأعمار ، ولماذا ضعف البناء ، وكثر الهدم ، وماتت الهمم ، وطغى سلطان الغفلة ، ما الذي تربى أبناؤنا عليه ، وشغل فكر فتياتنا ، بل وحتى كهولنا ، وما الذي خدَّر أمتنا عن العمل والإنتاج والريادة ، وساقها إلى واقعٍ مليئ بالحسرات والضعف والهوان ، لو بحثنا عن أجوبة تلك الأسئلة لوجدنا الجواب متمثلا وشاخصا في أقبح صوره في الملايين من الأفلام والمسرحيات والمسلسلات والأغاني التي استحوذت على عقول كثير من الناس اليوم .
أليس لهذه الشاشات الدور الأكبر في طغيان هذا السلطان ، وهو طغيان يتضاعف مع الأيام نتيجة سيطرة النظرة المادية للكون كله ، حيث تقرر المفاهيم الغربية السائدة اليوم ، أن العالم مادة استعمالية للشهوة واللذة ، فينبغي استيفاء أكبر قدر من اللذة قبل الموت ، ولن يكون ذلك إلا بتفجير طاقات العالم لابتكار الفجور في أبشع وأشنع صوره التي عرفها التاريخ .