ماجدة معروف
تمتلك جنوب أفريقيا ونيجيريا أكبر اقتصادين في أفريقيا جنوب الصحراء (تحتل جنوب أفريقيا المركز الأول في القارة ككل تليها مصر والجزائر ثم نيجيريا)*، ما يضعهما في أفضل وضع لتولي زمام القيادة الأفريقية في العصر الجديد. نيجيريا من ناحية، هي الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في القارة، إذ يزيد عدد سكانها عن 230 مليون نسمة، وهي تتمتع بنفوذ ثقافي كبير في جميع أنحاء المنطقة وعلى الصعيد الدولي.
ويهيمن موسيقيّوها على نوع الموسيقى العالمي المعروف باسم "الأفروبيتس"، وتُشاهد أفلامها في جميع أنحاء القارة، وتؤثر اتجاهات الموضة لديها على العلامات التجارية العالمية.
أما جنوب أفريقيا، صاحبة الاقتصاد الصناعي الأكبر في أفريقيا، فلديها نفوذ ثقافي أقل نسبيا في جميع أنحاء المنطقة، لكنها تتمتع بثقل جيوسياسي عالمي أكبر من نيجيريا، بفضل أسواقها المالية الأقوى والأكثر رسوخا، مما قد يساعدها في جمع الأموال اللازمة للاستثمار في جميع أنحاء المنطقة. وتُعد جنوب أفريقيا بالفعل لاعبا عالميا مهمّا، بفضل عضويتها في مجموعة العشرين وعضويتها المبكرة في مجموعة البريكس إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين.
لا تعد الشراكة بين البلدين الأفريقيين تجربة غير مسبوقة. ففي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، ساعد البلدان في إعادة تشكيل الأطر المؤسسية للقارة، حيث كان رئيساهما آنذاك، النيجيري أولوسيجون أوباسانجو والجنوب أفريقي ثابو مبيكي، يتشاركان رؤية شاملة لتعزيز "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية".
وفي عام 2002، دافعا الرجلان معا عن استبدال منظمة الوحدة الأفريقية لصالح الاتحاد الأفريقي، مع منحه تفويضا لتعميق التكامل الإقليمي إدراكا منهما أن الترابط الاقتصادي من شأنه أن يساعد في الحفاظ على الوحدة. كما عمل مبيكي وأوباسانجو معًا لتشكيل مؤسسات مساعدة للاتحاد الأفريقي، مثل الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا "نيباد"، التي تركز على النمو الاقتصادي؛ والبرلمان الأفريقي الذي يعد بمثابة الجهاز التشريعي الذي يقدم المشورة ويمارس الرقابة على الاتحاد الأفريقي إضافة إلى آلية مراجعة الأقران، التي تراقب التقدم المحرز في مؤشرات الحوكمة الرئيسية في جميع أنحاء القارة.
منذ ذلك الحين، قوضت الضغوط الداخلية في كلا البلدين هذه المبادرات الأفريقية الشاملة. من جانبها، ظلت جنوب أفريقيا عالقة في فخ النمو المنخفض منذ الأزمة المالية عام 2008، حيث ظل متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي يحوم حول نسبة 1%.
وقد أدى هذا الركود إلى تفاقم التفاوتات العرقية في الدخل والثروة، وزاد من الإحباط تجاه المؤسسة السياسية. كما أدى الصعود اللاحق للشعبوية الاقتصادية إلى زيادة المخاطر المالية، حيث تشعر الحكومات بأنها مضطرة لزيادة الإنفاق العام من أجل الفوز في الانتخابات. في نهاية المطاف، أدى هذا الضغط إلى تضييق مساحة المبادرات الأفريقية الشاملة: ففي ظل السخط المحلي، لم يكن لدى قادة جنوب أفريقيا الحيز المالي ولا الطموح اللازم لمتابعة مشاريع كبرى في الخارج.
لم يختلف الحال كثيرا في نيجيريا التي كافحت على مدار العقدين الماضيين للحفاظ على وتيرة للنمو الاقتصادي يمكن أن تنقل البلاد إلى مستوى الدخل المتوسط.
وقد أدى هذا النمو البطيء إلى تعميق خطوط الصدع الدينية والعرقية، وسمح بإثارة العنف، مما أجبر السلطات على التركيز على الحفاظ على الاستقرار بدلا من تحفيز التحول الاقتصادي. وهكذا، مع تباطؤ النمو الاقتصادي الذي أضعف طموحات كلا البلدين، ظل الاتحاد الأفريقي بلا قيادة قوية. واليوم، لا تتمتع هذه المؤسسة إلا بتأثير ضئيل على سلوك الدول، ولا يُنظر إليها كجهة قيادية في أي قضية اقتصادية أو سياسية إقليمية حاسمة.
بيد أن تعزيز التكامل الاقتصادي من شأنه أن يُمكّن القارة من التعامل مع نظام عالمي أكثر تفاعلية. وقد أثارت رسوم ترامب الجمركية دعوات في جنوب أفريقيا ونيجيريا لتعزيز العلاقات الثنائية والإقليمية لتعويض الخسارة المحتملة للسوق الأميركية.
وفي أغسطس/آب الماضي، صرّح رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، أن بلاده ستسعى إلى إبرام المزيد من الصفقات التجارية مع دول أخرى لتعويض تأثير رسوم واشنطن الجمركية البالغة 30% على صادرات جنوب أفريقيا.
وفي السياق ذاته، جمع وفد تجاري جنوب أفريقي إلى نيجيريا قادة الأعمال وصانعي السياسات من كلا البلدين لمناقشة فرص التعاون في القطاعات الرئيسية مثل التعدين والتصنيع. واتفق المشاركون على أن تعميق التجارة البينية الأفريقية يمكن أن يُسهم في دفع عجلة التصنيع في جميع أنحاء القارة.
ومن المتوقع أن يكون هذا الاقتراح جذابا للشركات الجنوب أفريقية؛ إذ إن صادرات البلاد إلى القارة الأفريقية تفوق بالفعل صادراتها إلى الولايات المتحدة بثلاثة أضعاف. بدورها، من المرجح أن نيجيريا تميل إلى تصدير سلع ذات قيمة مضافة أو سلع مصنعة إلى دول أفريقية أخرى، مقارنة بالسلع الخام التي تُصدرها حاليا إلى أوروبا والولايات المتحدة.
يستعد القادة الحاليون في نيجيريا وجنوب أفريقيا لدفع عجلة هذا التكامل إلى مستوى أعمق. وقد أظهرت نيجيريا في عهد رئيسها الحالي بولا أحمد تينوبو طموحا أكبر في سياستها الخارجية مما كانت عليه منذ ما يقرب من عقدين.
على سبيل المثال، قادت نيجيريا استجابة المنطقة لانقلاب عام 2023 في النيجر، وناضلت من أجل عضوية مجموعتي العشرين والبريكس، وبنت شراكات اقتصادية مع دول رئيسية في الجنوب العالمي، لا سيما البرازيل والهند.
كما دافع رئيس جنوب أفريقيا رامافوزا عن قضايا قارية مثل مقعد دائم للاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين وزيادة التمويل العالمي للعلماء الأفارقة. وفي حال دمجت جنوب أفريقيا ونيجيريا نقاط قوتهما المتكاملة، فيمكنهما ممارسة قوة اقتصادية أكبر وإحياء التماسك القاري لتعزيز المصالح الوطنية والقومية الأفريقية. ومن خلال جهودهما معًا، يمكنهما حشد الدول الأفريقية وراء مواقف مشتركة بشأن سياسة المناخ والتجارة والأمن الإقليمي، مما يعزز النفوذ الجيوسياسي للقارة.
* إضافة المترجم
هذه المادة مترجمة عن فورين أفيرز ولا تعبر بالضرورة عن شبكة الجزيرة
المصدر: فورين أفيرز