Prev  

17. Surah Al-Isr' سورة الإسراء

  Next  



تفسير ابن كثير - الإسراء - Al-Isra -
 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بِسْم ِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
    +/- -/+  
الأية
1
 
سورة الإسراء: قال الإمام الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبدالرحمن بن يزيد سمعت ابن مسعود رضي الله عنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى. وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن حدثنا حماد بن زيد عن مروان عن أبي لبابة سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر. يمجد تعالى نفسه ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه فلا إله غيره ولا رب سواه { الذي أسرى بعبده } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { ليلا } أي في جنح الليل { من المسجد الحرام } وهو مسجد مكة { إلى المسجد الأقصى } وهو بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى { الذي باركنا حوله } أي في الزروع والثمار { لنريه } أي محمدا { من آياتنا } أي العظام كما قال تعالى { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى { إنه هو السميع البصير } أي السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم مصدقهم ومكذبهم البصير بهم فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة. { ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء: رواية أنس بن مالك رضي الله عنه } قال الإمام أبو عبدالله البخاري: حدثني عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا سليمان - هو ابن بلال عن شريك بن عبدالله قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو؟ فقال أوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا؟ فقال جبريل قالوا ومن معك؟ قال معي محمد قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم قالوا فمرحبا به وأهلا يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلم عليه ورد عليه آدم فقال مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال { ما هذان النهران يا جبريل؟ } قال هذان النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال { ما هذا يا جبريل } قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا؟ قال جبريل قالوا ومن معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم قالوا وقد بعث إليه؟ قال نعم قالوا مرحبا به وأهلا ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى فقال موسى رب لم أظن أن ترفع على أحدا ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال { عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة } قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس فقال وهو في مكانه { يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا } فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فأرجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال { يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا } فقال الجبار تبارك وتعالى: { يا محمد قال لبيك وسعديك } قال إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال كيف فعلت؟ فقال { خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها } قال موسى قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا موسى قد والله استحييت من ربي عز وجل مما أختلف إليه { قال فاهبط باسم الله قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد ورواه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبدالحميد عن سليمان بن بلال ورواه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان قال فزاد ونقص وقدم وأخر وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبدالله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأحاديث الأخر ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى عز وجل يعني قوله { ثم دنا } الجبار رب العزة { فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } قال وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق فإن أبا ذر قال يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال { نور أنى أراه } وفي رواية { رأيت نورا } أخرجه مسلم وقوله { ثم دنا فتدلى } إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين وعن ابن مسعود وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا وقال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل: أصبت الفطرة قال ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل إليه؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل إليه؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل له من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد قيل وقد أرسل إليه؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل فقيل ومن معك؟ قال محمد فقيل وقد أرسل إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ثم يقول الله تعالى { ورفعناه مكانا عليا } ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة قال جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل فقيل ومن معك؟ قال محمد فقيل قد أرسل إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد فقيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى عليه السلام فرحب بى ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام وإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها قال فأوحى الله إلي ما أوحى وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال ما فعلت فقلت قد حط عني خمسا فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت } ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن حماد بن سلمة بهذا السياق وهو أصح من سياق شريك. قال البيهقي وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل ما يحملك على هذا فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه قال فارفض عرقا ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أحمد أيضا حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني راشد بن سعيد وعبدالرحمن بن جبير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لما عرج بي إلى ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم } وأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرو به ومن وجه آخر ليس فيه أنس فالله أعلم. وقال أيضا حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائما يصلي في قبره } ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني كلاهما عن أنس قال النسائي هذا أصح من رواية من قال سليمان عن ثابت عن أنس. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن التيمي عن أنس قال أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره وقال أبو يعلى حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا معتمر عن أبيه قال سمعت أنسا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره قال أنس ذكر أنه حمل على البراق فأوثق الدابة أو قال الفرس قال أبو بكر صفها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { هي كذه وذه } فقال أشهد أنك رسول الله وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا سعيد بن منصور حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { بينا أنا نائم إذ جاء جبريل عليه السلام فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي ولو شئت أن أمس السماء لمست فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه بالله علي وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت وأوحى إلي ما شاء الله أن يوحى } ثم قال ولا نعلم روى هذا الحديث إلا أنس ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة. ورواه الحافظ البيهقي في الدلائل عن أبي بكر القاضي عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين عن سعيد بن منصور فذكره بسنده مثله ثم قال وقال غيره في هذا الحديث في آخره ولط دوني أو قال دون الحجاب رفرف الدر والياقوت ثم قال هكذا رواه الحارث بن عبيد ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ملإ من أصحابه فجاءه جبريل فنكت في ظهره فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر { فنشأت بنا حتى بلغت الأفق فلو بسطت يدى إلى السماء لنلتها فدلي بسبب وهبط إلي النور فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إلي: نبيا ملكا أو نبيا عبدا وإلى الجنة ما أنت فأومأ إلي جبريل وهو مضطجع أن تواضع قال قلت لا بل نبيا عبدا } قلت وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس ولا الصعود إلى السماء فهي كائنة غير ما نحن فيه والله أعلم. وقال البزار أيضا حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو بحر حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل وهذا غريب. وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا يونس حدثنا عبدالله بن وهب حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبدالرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها حركت ذنبها فقال لها جبريل مه يا براق فوالله ما ركبك مثله وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق فقال { ما هذه يا جبريل؟ قال سر يا محمد قال فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق فقال هلم يا محمد فقال له جبريل سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير قال فلقيه خلق من خلق الله فقالوا السلام عليك يا أول السلام عليك يا آخر السلام عليك يا حاشر فقال له جبريل اردد السلام يا محمد فرد السلام ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس فعرض عليه الخمر والماء واللبن فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن فقال له جبريل أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ثم قال له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن وهب وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة { طريق أخرى } عن أنس بن مالك وفيها غرابة ونكارة جدا وهي في سنن النسائي المجتبى ولم أرها في الكبير قال: حدثنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد هو ابن الحسين عن سعيد بن عبدالعزيز حدثنا يزيد بن أبي مالك حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسرت فقال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة ثم قال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ثم قال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام فقدمني جبريل عليه السلام حتى أممتهم ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم عليه السلام ثم صعد بي فوق سبع سموات وأتيت سدرة المنتهى فغشتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك فرجعت بذلك حتى أمر بموسى عليه السلام فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة قال فإنك لاتستطيع أن تقوم بها لا أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرا ثم ردت إلى خمس صلوات قال فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما فرجعت إلى ربي عز وجل فسألته التخفيف فقال إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمس صلوات فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك قال فعرفت أنها من الله عز وجل صري فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال ارجع فعرفت أنها من الله عز وجل صري - يقول أي حتم - فلم أرجع } { طريق أخرى } وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام ابن عمار حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل حمله جبريل عليها ينتهي خفها ح .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
    +/- -/+  
الأية
2
 
لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضا فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام وبين ذكر التوراة والقرآن ولهذا قال بعد ذكر الإسراء { وآتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { وجعلناه } أي الكتاب { هدى } أي هاديا { لبني إسرائيل أن لا تتخذوا } أي لئلا تتخذوا { من دوني وكيلا } أي وليا ولا نصيرا ولا معبودا دوني لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
    +/- -/+  
الأية
3
 
ثم قال { ذرية من حملنا مع نوح } تقديره يا ذرية من حملنا مع نوح فيه تهييج وتنبيه على المنة أي يا سلالة من نجينا فحلمنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم { إنه كان عبدا شكورا } فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا عليه السلام كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله. فلهذا سمي عبدا شكورا. قال الطبراني حدثني على بن عبدالعزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي حصين عن عبدالله بن سنان عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها } وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به وقال مالك عن زيد بن أسلم كان يحمد الله على كل حال وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أنا سيد ولد آدم يوم القيامة - بطوله وفيه - فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك } وذكر الحديث بكامله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا
    +/- -/+  
الأية
4
 
يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوا كبيرا أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كقوله تعالى { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا
    +/- -/+  
الأية
5
 
وقوله { فإذا جاء وعد أولاهما } أي أولى الإفسادتين { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } أي سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد أي قوة وعدة وعدد وسلطنة شديدة { فجاسوا خلال الديار } أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم أي بينها ووسطها وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا وكان وعدا مفعولا وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت ولهذا قال { ثم رددنا لك الكرة عليهم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
    +/- -/+  
الأية
6
 
وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده وعنه أيضا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أن ملك البلاد وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم ثم آل به الحال إلى ما آل وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذوب. وكتب ذلك على حاشية الكتاب. وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ونحن في غنية عنها ولله الحمد. وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا فسألهم ما هذا الدم: فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة وأخذ معه منهم خلقا كثيرا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته والله أعلم ثم قال تعالى{ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا
    +/- -/+  
الأية
7
 
قوله تعالى{ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها{ أي فعليها كما قال تعالى{ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } وقوله { فإذا جاء وعد الآخرة } أي الكرة الآخرة أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ليسوءوا وجوهكم } أي يهينوكم ويقهروكم { وليدخلوا المسجد } أي بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة } أي في التي جاسوا فيها خلال الديار { وليتبروا } أي يدمروا ويخربوا { ما علوا تتبيرا } أي ما ظهروا عليه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا
    +/- -/+  
الأية
8
 
{ عسى ربكم أن يرحمكم } أي فيصرفهم عنكم { وإن عدتم عدنا } أى متى عدتم إلى الإفساد { عدنا } إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال ولهذا قال { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } أي مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد لهم عنه وقال ابن عباس: حصيرا أي سجنا وقال مجاهد: يحصرون فيها وكذا قال غيره وقال الحسن فراشا ومهادا وقال قتادة قد عاد بنو إسرائيل فسلط الله عليهم هذا الحي محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا
    +/- -/+  
الأية
9
 
يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه. { أن لهم أجرا كبيرا } أي يوم القيامة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
    +/- -/+  
الأية
10
 
{ وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا أليما أي يوم القيامة كما قال تعالى { فبشرهم بعذاب أليم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا
    +/- -/+  
الأية
11
 
يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر أي بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه كما قال تعالى { ولو يعجل الله للناس الشر } الآية وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة وقد تقدم في الحديث { لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها } وإنما يحمل ابن أدم على ذلك قلقه وعجلته ولهذا قال تعالى { وكان الإنسان عجولا } وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس ههنا قصة آدم عليه السلام حين هم بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه فلما وصلت إلى دماغه عطس فقال الحمد لله فقال الله { يرحمك ربك يا آدم } فلما وصلت إلى عينيه فتحهما فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطيع قال يا رب عجل قبل الليل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا
    +/- -/+  
الأية
12
 
يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك لهذا قال { لتبتغوا فضلا من ربكم } أي في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك { ولتعلموا عدد السنين والحساب } فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك كما قال تعالى { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } وقال تعالى { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } وقال تعالى { وله اختلاف الليل والنهار } وقال { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار } وقال تعالى { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم } وقال تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. ثم إنه تعالى جعل الليل آية أي علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه وللنهار علامة وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا كما قال تعالى { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق } إلى قوله { لآيات لقوم يتقون } وقال تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } الآية قال ابن جريج عن عبدالله بن كثير في قوله `فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } قال ظلمة الليل وسدف النهار وقال ابن جريج عن مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل { فمحونا آية الليل } قاله: السواد الذي في القمر وكذلك خلقه الله تعالى وقال ابن جريج قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال ويحك أما تقرأ القرآن؟ فمحونا آية الليل فهذه محوه وقال قتادة في قوله { فمحونا آية الليل } كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس { وجعلنا الليل والنهار آيتين } قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عز وجل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا
    +/- -/+  
الأية
13
 
يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } وطائره هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وقال تعالى { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقال { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } وقال { إنما تجزون ما كنتم تعملون } وقال { من يعمل سوءا يجز به } والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره ويكتب عليه ليلا ونهارا صباحا ومساء. وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لطائر كل إنسان في عنقه } قال ابن لهيعة يعني الطيرة وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدا والله أعلم. وقوله { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدا أو بشماله إن كان شقيا منشورا أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
    +/- -/+  
الأية
14
 
ولهذا قال تعالى { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت لأنك ذكرت جميع ما كان منك ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي وقوله { ألزمناه طائره في عنقه } إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه كما قال الشاعر: اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمام قال قتادة عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } كذا رواه ابن جرير وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلا فقال: حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { طير كل عبد في عنقه }. وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق حدثنا عبدالله حدثنا ابن لهيعة حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب جل جلاله اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت } إسناده جيد قوي ولم يخرجوه وقال معمر عن قتادة { ألزمناه طائره في عنقه } قال عمله { ونخرج له يوم القيامة } قال نخرج ذلك العمل { كتابا يلقاه منشورا } قال معمر وتلا الحسن البصري { عن اليمين وعن الشمال قعيد } يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك وكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى نخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقرأ كتابك الآية فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك هذا من أحسن كلام الحسن رحمه الله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا
    +/- -/+  
الأية
15
 
يخبر تعالى أن { من اهتدى } واتبع الحق واقتفى أثر النبوة فإنما يحمل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه { ومن ضل } أي عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه وإنما يعود وبال ذلك عليه ثم قال { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا يحمل أحد ذنب أحد ولا يجني جان إلا على نفسه كما قال تعالى { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } ولا منافاة بين هذا وبين قوله { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } وقوله { ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحمل عنهم شيئا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده وكذا قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } وكذا قوله { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } وقال تعالى { وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير } إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى { إن رحمة الله قريب من المحسنين }. حدثنا عبدالله بن سعيد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { اختصمت الجنة والنار } فذكر الحديث إلى أن قال { وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا وإنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها فتقول هل من مزيد؟ ثلاثا } وذكر تمام الحديث فهذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم { تحاجت الجنة والنار } فذكر الحديث إلى أن قال { فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه فتقول قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا }. بقي ههنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديما وحديثا وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم وكذا المجنون والأصم الشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة والله المستعان { فالحديث الأول } عن الأسود بن سريع قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عبدالله حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذى مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما } وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبى هريرة مثله غير أنه قال في آخره فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها } وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبدالله المديني به وقال هذا إسناد صحيح وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم يدلي على الله بحجة فذكر نحوه ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة فذكره مرفوعا ثم قال أبو هريرة فاقرأوا إن شئتم { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وكذا رواه معمر عن عبدالله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوقا. { الحديث الثاني } عن أنس بن مالك قال أبو داود الطيالسي حدثنا الربيع عن يزيد هو ابن أبان قال: قلنا لأنس يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها فيكونوا من أهل النار ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من أهل الجنة }. { الحديث الثاني } عن أنس أيضا. قال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الفاني الهم كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار أبرز ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه قال: فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا قال: فيقول الله تعالى أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار } وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله { الحديث الرابع } عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا حدثنا قاسم بن أبي شيبة حدثنا عبدالله يعني ابن داود عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن البراء قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال { هم مع آبائهم } وسئل عن أولاد المشركين فقال { هم مع آبائهم } فقيل يا رسول الله ما يعملون؟ قال { الله أعلم بهم } ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن رجل عن البراء عن عائشة فذكره { الحديث الخامس } عن ثوبان قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة قال { إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أخرجنا أو أجرنا منها فيقول لهم ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين } فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم { لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما } ثم قال البزار ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه لم يروه عن أيوب إلا عباد ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد قلت وقد ذكره ابن حبان في ثقاته وقال يحيى بن معين والنسائي لا بأس به ولم يرضه أبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به { الحديث السادس } عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري: قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الهالك في الفترة والمعتوه والمولود: يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم ردوها قال فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم؟ } وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به ثم قال لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه وقال في آخره { فيقول الله إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب } { الحديث السابع } عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن جليس عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال { يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني } وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك { فيقول الرب عز وجل إني آمركم فتطيعوني؟ فيقولون نعم فيقول اذهبوا فادخلوا النار قال: ولو دخلوها ماضرتهم فتخرج عليهم قوابص فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك يقول الرب عز وجل قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضُمِّيهِمْ فتأخذهم النار } { الحديث الثامن } عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع رضي الله عنه وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ } وفي رواية قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال { الله أعلم بما كانوا عاملين }. وقال الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا عبدالرحمن بن ثابت عن عطاء بن ضمرة عن عبدالله بن ضمرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعلم شك موسى قال { ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام } وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال { إني خلقت عبادي حنفاء } وفي رواية لغيره { مسلمين } { الحديث التاسع } عن سمرة رضي الله عنه رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري من حديث عوف الأعرابي. عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { كل مولود يولد على الفطرة } فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال { وأولاد المشركين } وقال الطبراني: حدثنا عبدالله بن أحمد حدثنا عقبة بن مكرم الضبي عن عيسى بن شعيب عن عباد بن منصور عن أبي رجاء عن سمرة قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين قال { هم خدم أهل الجنة }. { الحديث العاشر } عن عم خنساء. قال أحمد حدثنا روح حدثنا عوف عن خنساء بنت معاوية من بني صريم قالت حدثني عمي قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال { النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة } فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه عليه السلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال { نعم وأولاد المشركين } ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله عليه السلام { هم مع آبائهم }. ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة ومن عصى دخل النار داخرا وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخنوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها { والجواب } عما قال إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود } الآية وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا كلما أراد السجود خر لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ويتكرر ذلك مرارا ويقول الله تعالى: { يا ابن آدم ما أغدرك } ثم يأذن له في دخول الجنة وأما قوله فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم فليس هذا بمانع من صحة الحديث فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوا ومنهم المكدوش على وجهه في النار وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه بردا وسلاما فهذا نظير ذاك وأيضا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور والله أعلم. { فصل } إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال { أحداها } أنهم في الجنة واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن خنساء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { والمولود في الجنة } وهذا استدلال صحيح ولكن أحاديث الامتحان أخص منه. فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلى الله تعالى ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ونقله الأشعري عن أهل السنة ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من يجعلهم مستقلين فيها ومنهم من يجعلهم خدما لهم كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف والله أعلم. { والقول الثاني } أنهم مع آبائهم في النار واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب حدثني عبدالله بن أبى قيس مولى غطيف أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { هم تبع لآبائهم } فقلت يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال { الله أعلم بما كانوا عاملين } وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني سمعت عبدالله بن أبي قيس سمعت عائشة تقول سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال { هم مع آبائهم } قلت فذراري المشركين؟ قال { هم مع آبائهم } فقلت بلا عمل؟ قال { الله أعلم بما كانوا عاملين } ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار } وروى عبدالله بن الإمام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال: سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال { هما في النار } قال فلما رأى الكراهية في وجهها فقال { لها لو رأيت مكانهما لأبغضتهما } قالت فولدي منك؟ قال { إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار- ثم قرأ { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } وهذا حديث غريب فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال وشيخه زاذان لم يدرك عليا والله أعلم. وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الوائدة والموءودة في النار } ثم قال الشعبي حدثني به علقمة عن أبي وائل عن ابن مسعود وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فقال { الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم } وهذا إسناد حسن. { والقول الثالث } التوقف فيهم واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم { الله أعلم بما كانوا عاملين } وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي أياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال { الله أعلم بما كانوا عاملين } وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد وعن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين فقال { الله أعلم بما كانوا عاملين } ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها إلى الجنة كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف والله أعلم. { فصل } وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به إن شاء الله عز وجل. فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر من بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة قال أبو عمر ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم قال وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة انتهى كلامه وهو غريب جدا. وقد ذكر أبو عبدالله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا والله أعلم. وقد ذكروا في ذلك أيضا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال { أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم } رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع كره جماعة من العلماء الكلام فيها روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن الحنفية وغيرهم. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم سمعت أبا رجاء العطاردي سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر } قال ابن حبان يعني أطفال المشركين وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير ابن حازم به ثم قال وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا
    +/- -/+  
الأية
16
 
اختلف القراء في قراءة قوله { أمرنا } فالمشهور قراءة التخفيف واختلف المفسرون في معناها فقيل معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا كقوله تعالى { أتاها أمرنا ليلا أو نهارا } إن الله لا يأمر بالفحشاء قالوا معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب وقيل معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضا وقال ابن جرير يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ { أمرنا مترفيها } قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله { أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } يقول سلطنا أشرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب وهو قوله { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } الآية وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس وقال العوفي عن ابن عباس { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } يقول أكثرنا عددهم وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعن مالك عن الزهري { أمرنا مترفيها } أكثرنا وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا روح بن عبادة حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة } قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه الغريب المأمورة كثيرة النسل والسكة الطريقة المصطفة من النخل والمأبورة من التأبير وقال بعضهم إنما جاء هذا متناسبا كقوله { مأزورات غير مأجورات }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
    +/- -/+  
الأية
17
 
يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قاله ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } أي هو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية سبحانه وتعالى.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا
    +/- -/+  
الأية
18
 
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات فإنه قال { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم } أي في الدار الآخرة { يصلاها } أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه { مذموما } أي في حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه إذ أختار الفاني على الباقي { مدحورا } مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا. روى الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا رويد عن أبي إسحاق عن زرعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا
    +/- -/+  
الأية
19
 
وقوله { ومن أراد الآخرة } أي أراد الدار الآخرة وما فيها من النعم والسرور { وسعى لها سعيها } أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم { وهو مؤمن } أي قلبه مؤمن أي مصدق موقن بالثواب والجزاء { فأولئك كان سعيهم مشكورا }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا
    +/- -/+  
الأية
20
 
يقول تعالى { كلا } أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نمدهم فيما فيه { من عطاء ربك } أي هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور فيعطي كلا ما يستحقه من السعادة والشقاوة فلا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى ولا مغير لما أراد ولهذا قال { وما كان عطاء ربك محظورا } أي لا يمنعه أحد ولا يرده راد قال قتادة { وما كان عطاء ربك محظورا } أي منقوصا وقال الحسن وغيره أي ممنوعا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
    +/- -/+  
الأية
21
 
ثم قال تعالى { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } أي في الدنيا فمنهم الغني والفقير وبين ذلك والحسن والقبيح وبين ذلك ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا وبين ذلك { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه كما أن أهل الدرجات يتفاوتون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين { إن أهل الدرجات العلى ليرون أن عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء } ولهذا قال تعالى { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } وفي الطبراني من رواية زاذان عن سلمان مرفوعا { ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها } ثم قرأ { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا
    +/- -/+  
الأية
22
 
يقول تعالى والمراد المكلفون من الأمة لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا { فتقعد مذموما } أي على إشراكك { مخذولا } لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا بشير ابن سليمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغني إما آجلا وإما عاجلا } ورواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سليمان به وقال الترمذي حسن صحيح غريب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
    +/- -/+  
الأية
23
 
يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر قال مجاهد { وقضى } يعني وصى وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم { ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال { وبالوالدين إحسانا } أي وأمر بالوالدين إحسانا كقوله في الآية الأخرى { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } وقوله { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف } أي لا تسمعهما قولا سيئا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء { ولا تنهرهما } أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله { ولا تنهرهما } أي لا تنفض يدك عليهما ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال { وقل لهما قولا كريما } أي لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
    +/- -/+  
الأية
24
 
{ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } أي تواضع لهما بفعلك { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } أي في كبرهما وعند وفاتهما قال ابن عباس ثم أنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر ثم قال { آمين آمين آمين } قيل يا رسول الله علام ما أمنت؟ قال { أتاني جبريل فقال يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له قل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قل آمين فقلت آمين } { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا علي بن زيد عن زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث عن رجل منهم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول { من ضم يتيما من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة البتة ومن أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزى بكل عضو منه عضوا منه } ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد فذكر معناه إلا أنه قال عن رجل عن قومه يقال له مالك أو ابن مالك وزاد { ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله } { حديث آخر } وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان عن حماد ابن سلمة حدثنا علي بن زيد عن زرارة بن أوفى عن مالك بن عمرو القشيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله عز وجل ومن ضم يتيما من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة عن قتادة سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أبي مالك القشيري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم { من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه } ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به وفيه زيادات أخر { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عنده الكبر ولم يدخل الجنة } صحيح من هذا الوجه ولم يخرجوه سوى مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به. { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم قال أحمد وهو أخو إسماعيل بن علية وكان يفضل على أخيه عن عبدالرحمن ابن أبي إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة قال ربعي ولا أعلمه إلا قال { أو أحدهما } ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم ثم قال غريب من هذا الوجه. { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا يونس حدثنا محمد حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل حدثنا أسيد بن علي عن أبيه عن أبي عبيد عن أبي أسيل وهو مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال نعم خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما } ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن سليمان وهو ابن الغسيل به { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عبدالرحمن عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال { فهل لك من أم؟ } قال نعم قال { فالزمها فإن الجنة عند رجليها } ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به. { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معديكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الله يوصيكم بآبائكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب } وأخرجه ابن ماجه من حديث عبدالله بن عياش به. { حديث آخر } قال أحمد حدثنا يونس حدثنا أبو عوانه عن أشعث بن سليم عن أبيه عن رجل من بني يربوع قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يكلم الناس يقول { يد المعطي العليا أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك } { حديث آخر } قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي حدثنا عمرو بن سفيان حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها؟ قال { لا ولا بزفرة واحدة } أو كما قال ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. قلت والحسن بن أبي جعفر ضعيف والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا
    +/- -/+  
الأية
25
 
قال سعيد بن جبير هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك فقال { ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين } وقوله { فإنه كان للأوابين غفورا } قال قتادة للمطيعين أهل الصلاة وعن ابن عباس المسبحين وفي رواية عنه المطيعين المحسنين وقال بعضهم هم الذين يصلون بين العشاءين وقال بعضهم هم الذين يصلون الضحى وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله { فإنه كان للأوابين غفورا } قال الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون ويصيبون الذنب ثم يتوبون وكذا رواه عبدالرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب بنحوه وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به وقال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد هم الراجعون إلى الخير وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في الآية هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها ووافقه مجاهد في ذلك وقال عبد الرزاق حدثنا محمد بن مسلمة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله { فإنه كان للأوابين غفورا } قال كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا. قال ابن جرير والأولى في ذلك قول من قال هو التائب من الذنب الرجاع من المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه وهذا الذي قاله هو الصواب لأن الأواب مشتق من الأوب وهو الرجوع يقال آب فلان إذا رجع قال تعالى { إن إلينا إيابهم } وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال { آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا
    +/- -/+  
الأية
26
 
لما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام وفي الحديث { أمك وأباك ثم أدناك أدناك } وفي رواية { ثم الأقرب فالأقرب } وفي الحديث { من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه } وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عباد عن يعقوب حدثنا أبو يحيى التيمي حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال لما نزلت { وآت ذا القربى حقه } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك ثم قال لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي وحميد بن حماد بن الخوار وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده لأن الآية مكية وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذا حديث منكر الأشبه أنه من وضع الرافضة والله أعلم. وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا قوله { ولا تبذر تبذيرا } لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطا كما قال في الآية الأخرى { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } الآية ثم قال منفرا عن التبذير والسرف.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
    +/- -/+  
الأية
27
 
{ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود التبذير الإنفاق في غير حق وكذا قال ابن عباس وقال مجاهد لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تخرج الزكاة من مالك إن كان فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك وتعرف حق السائل والجار والمسكين } فقال يا رسول الله أقلل لي؟ قال { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } فقال حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها } وقوله: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته ولهذا قال { وكان الشيطان لربه كفورا } أي جحودا لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته بل أقبل على معصيته ومخالفته.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا
    +/- -/+  
الأية
28
 
وقوله: { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك } الآية أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة { فقل لهم قولا ميسورا } أي عدهم وعدا بسهولة ولين إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله هكذا فسر قوله { فقل لهم قولا ميسورا } بالوعد: مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا
    +/- -/+  
الأية
29
 
يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذاما للبخل ناهيا عن السرف { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا شيئا كما قالت اليهود عليهم لعائن الله يد الله مغلولة أي نسبوه إلى البخل تعالى وتقدس الكريم الوهاب وقوله: { ولا تبسطها كل البسط } أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملوما محسورا وهذا من باب اللف والنشر أي فتقعد إن بخلت ملوما يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة. ومن كان ذا مال فيبخل بماله على قومه يستغن عنه ويذمم ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفا وعجزا فإنها تسمى الحسير وهو مأخوذ من الكلال كما قال { فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } أي كليل عن أن يرى عيبا هكذا فسر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع } هذا لفظ البخاري في الزكاة وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة عن زوجته فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله عليك ولا توكي فيوكي الله عليك } وفي لفظ { ولا تحصي فيحصي الله عليك } وفي صحيح مسلم من طريق عبدالرزاق عن معمر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله قال أنفق أنفق عليك } وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا } وروى مسلم عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا { ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا ومن تواضع لله رفعه الله } وفي حديث أبي كثير عن عبدالله بن عمر مرفوعا { إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا } وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطانا }. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا سكين بن عبدالعزيز حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما عال من اقتصد }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
    +/- -/+  
الأية
30
 
وقوله: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } إخبار أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة ولهذا قال { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } أي خبيرا بصيرا بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر كما جاء في الحديث { إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه } وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجا والفقر عقوبة عياذا بالله من هذا وهذا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا
    +/- -/+  
الأية
31
 
هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته فنهى الله تعالى عن ذلك وقال { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } أي خوف أن تفتقروا في ثاني الحال ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال { نحن نرزقهم وإياكم } وفي الأنعام { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي من فقر { نحن نرزقكم وإياهم } وقوله { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } أي ذنبا عظيما وقرأ بعضهم } كان خطأ كبيرا } وهو بمعناه. وفي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال { أن تجعل لله ندا وهو خلقك - قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك - قلت ثم أي؟ قال أن تزاني بحليلة جارك }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا
    +/- -/+  
الأية
32
 
يقول تعالى ناهيا عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة } أي ذنبا عظيما { وساء سبيلا } أي وبئس طريقا ومسلكا. وقد قال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا جرير حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه فقال { ادنه } فدنا منه قريبا فقال { اجلس } فجلس فقال { أتحبه لأمك{ ؟ قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال { أفتحبه لابنتك{ ؟ قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم قال { أفتحبه لأختك{ ؟ قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال { أفتحبه لعمتك{ ؟ قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لعماتهم قال { أفتحبه لخالتك{ ؟ قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال فوضع يده عليه وقال { اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه } قال فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء وقال ابن أبي الدنيا حدثنا عمار بن نضر حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا
    +/- -/+  
الأية
33
 
يقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة } وفي السنن { لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم } وقوله: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } أي سلطة على القاتل فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودا وإن شاء عفا عنه على الدية وإن شاء عفا عنه مجانا كما ثبتت السنة بذلك. وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك لأنه كان ولي عثمان وقد قتل عثمان مظلوما رضي الله عنه وكان معاوية يطالب عليا رضي الله عنه أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم لأنه أموي وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه كما قاله ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة وهذا من الأمر العجب وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال حدثنا يحيى بن عبدالباقي حدثنا أبو عمير بن النحاس حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شودب عن مطر الوراق عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال إني محدثكم بحديث ليس بسر ولا علانية إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان يعني عثمان قلت لعلي اعتزل فلو كنت في حجر طلبت حتى تستخرج فعصاني وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية وذلك أن الله يقول { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل } الآية وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا ومن ترك وأنتم تاركون كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك وقوله { فلا يسرف في القتل } قالوا معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل وقوله: { إنه كان منصورا } أي أن الولي منصور على القاتل شرعا وغالبا وقدرا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
    +/- -/+  
الأية
34
 
يقول تعالى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر { يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم } وقوله { وأوفوا بالعهد } أي الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه { إن العهد كان مسئولا } أي عنه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
    +/- -/+  
الأية
35
 
وقوله { وأوفوا الكيل إذا كلتم } أي من غير تطفيف لا تبخسوا الناس أشياءهم { وزنوا بالقسطاس } قرئ بضم القاف وكسرها كالقرطاس وهو الميزان قال مجاهد هو العدل بالرومية وقوله { المستقيم } أي الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب { ذلك خير } أي لكم في معاشكم ومعادكم ولهذا قال { وأحسن تأويلا } أي مآلا ومنقلبا في آخرتكم. قال سعيد عن قتادة { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي خير ثوابا وأحسن عاقبة. وابن عباس كان يقول يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم هذا المكيال وهذا الميزان قال وذكر لنا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يقول { لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
    +/- -/+  
الأية
36
 
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لا تقل وقال العوفي عنه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وقال محمد بن الحنفية يعني شهادة الزور وقال قتادة لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال تعالى: { اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } وفي الحديث { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } وفي سنن أبي داود { بئس مطية الرجل زعموا } وفي الحديث الآخر { إن أفرى الفرى أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا } وفي الصحيح { من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل } وقوله { كل أولئك } أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد { كان عنه مسئولا } أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها ويصح استعمال أولئك مكان تلك كما قال الشاعر: ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام..

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا
    +/- -/+  
الأية
37
 
يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية { ولا تمش في الأرض مرحا } أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين { إنك لن تخرق الأرض } أي لن تقطع الأرض بمشيك قاله ابن جرير واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترقن وقوله: { ولن تبلغ الجبال طولا } أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في الصحيح { بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث { من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير } وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير حدثنا حجاج بن محمد بن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدى حق الله منها والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة وللشيطان به لعنة فسمعه ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته فقال له يا هذا: إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته قال فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته فقال إن للشياطين إخوانا وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر فإن الرجل يده من سائر جسده رواهما ابن أبي الدنيا وقال ابن أبي الدنيا حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن يزيد عن يحيى عن سعيد عن محسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض }. يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية { ولا تمش في الأرض مرحا } أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين { إنك لن تخرق الأرض } أي لن تقطع الأرض بمشيك قاله ابن جرير واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترقن وقوله: { ولن تبلغ الجبال طولا } أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في الصحيح { بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث { من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير } وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير حدثنا حجاج بن محمد بن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدى حق الله منها والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة وللشيطان به لعنة فسمعه ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته فقال له يا هذا: إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته قال فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته فقال إن للشياطين إخوانا وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر فإن الرجل يده من سائر جسده رواهما ابن أبي الدنيا وقال ابن أبي الدنيا حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن يزيد عن يحيى عن سعيد عن محسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض }. يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية { ولا تمش في الأرض مرحا } أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين { إنك لن تخرق الأرض } أي لن تقطع الأرض بمشيك قاله ابن جرير واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترقن وقوله: { ولن تبلغ الجبال طولا } أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في الصحيح { بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث { من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير } وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير حدثنا حجاج بن محمد بن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدى حق الله منها والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة وللشيطان به لعنة فسمعه ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته فقال له يا هذا: إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته قال فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته فقال إن للشياطين إخوانا وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر فإن الرجل يده من سائر جسده رواهما ابن أبي الدنيا وقال ابن أبي الدنيا حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن يزيد عن يحيى عن سعيد عن محسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
    +/- -/+  
الأية
38
 
وقوله { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } أما من قرأ } سيئة } أي فاحشة فمعناه عنده كل هذا الذي نهينا عنه من قوله: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } إلى هنا فهو سيئة مؤاخذ عليها مكروها عند الله لا يحبه ولا يرضاه وأما من قرأ } سيئه } على الإضافة فمعناه عنده كل هذا الذي ذكرناه من قوله: { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } إلى هنا فسيئه أي فقبيحه مكروه وعند الله هكذا وجه ذلك ابن جرير رحمه الله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا
    +/- -/+  
الأية
39
 
يقول تعالى هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما } أي تلومك نفسك ويلومك الله والخلق { مدحورا } أي مبعدا من كل خير قال ابن عباس وقتادة مطرودا والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا
    +/- -/+  
الأية
40
 
يقول تعالى رادا على المشركين الكاذبين الزاعمين عليهم لعائن الله أن الملائكة بنات الله فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ثم ادعوا أنهم بنات الله ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيما فقال تعالى منكرا عليهم { أفأصفاكم ربكم بالبنين } أي خصصكم بالذكور { واتخذ من الملائكة إناثا } أي واختار لنفسه على زعمكم البنات ثم شدد الإنكار عليهم فقال { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي في زعمكم أن لله ولدا ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد فتلك إذا قسمة ضيزى وقال تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا
    +/- -/+  
الأية
41
 
يقول تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك { وما يزيدهم } أي الظالمين منهم إلا { نفورا } أي عن الحق وبعدا منه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
    +/- -/+  
الأية
42
 
يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى لو كان الأمر كما تقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
    +/- -/+  
الأية
43
 
فقال { سبحانه وتعالى عما يقولون } أي هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى { علوا كبيرا } أي تعاليا كبيرا بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
    +/- -/+  
الأية
44
 
يقول تعالى تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن أي من المخلوقات وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته. ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. كما قال تعالى: { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا } وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سليمان بن ميمون مؤذن مسجد الرملة حدثنا عروة بن رويم عن عبدالرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام وزمزم وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا به حتى بلغ السموات السبع فلما رجع قال { سمعت تسبيحا في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى } وقوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغاتكم وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهو حديث مشهور في المسانيد وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن ابن أنس عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم { اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه } وفي سنن النسائي عن عبدالله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال { ن&