محمد عزت
لا يمكن فهم السياق الكامل لتهديدات ترامب، دون إحاطة سريعة بالمشهد السياسي والديني في نيجيريا، وهو مشهد أكثر تعقيدا من سردية ترامب -المبسطة بشكل مخل- حول الصراع الإسلامي المسيحي واضطهاد المسيحيين في البلاد.
سياسيا، تعد نيجيريا جمهورية رئاسية اتحادية على غرار النظام الأميركي بموجب دستور عام 1999 الذي دشن رسميا عودة البلاد إلى الحكم الديمقراطي المدني بعد 15 عامًا من الحكم العسكري ودشن معها بداية الجمهورية الرابعة في نيجيريا، التي حافظت على هياكلها الديمقراطية الرسمية لأكثر من ربع قرن رغم التحديات المستمرة التي تواجهها.
يُقسّم النظام الاتحادي السلطة بين الحكومة الوطنية وحكومات الولايات (36 ولاية)، ويمنح الولايات استقلالية كبيرة في إدارة شؤونها المحلية، فيما تُمارس السلطة التشريعية في البلاد من خلال برلمان ثنائي الغرفة (مجلس الشيوخ ومجلس النواب).
ونيجيريا هي دولة علمانية رسميا بموجب دستورها حيث لا يوجد دين رسمي للدولة، على الرغم من أن الإسلام والمسيحية هما الديانتان الرئيسيتان في البلد الأفريقي وهما تؤثران بشكل كبير على الحياة العامة.
ورغم عدم وجود ترتيب دستوري ينظم ديانة الرئيس، تناوب رؤساء مسيحيون ومسلمون على المنصب خلال حقبة الحكم العسكري وحتى بعد الانتقال إلى الديمقراطية.
كان أولوسيجون أوباسانجو، المسيحي البروتستانتي، أول رئيس لنيجيريا في الحقبة الديمقراطية وتتابع من بعده الرؤساء من المسلمين والمسيحيين على السواء.
وبسبب التنوع العرقي والديني غالبا ما تسعى الأحزاب الكبرى لتقديم الرئيس ونائبه من ديانتين مختلفتين لضمان القبول الوطني، رغم أن الرئيس الحالي بولا تينوبو (مسلم) خرق هذا التقليد بتسمية كاشم شيتيما مصطفى (وهو مسلم أيضا) نائبا له خلال انتخابات عام 2023.
اجتماعيا، يمثل سكان نيجيريا البالغ عددهم حوالي 230 مليون نسمة، أحد أكثر المجتمعات تنوعا دينيا وعرقيا في أفريقيا. ينقسم البلد بالتساوي تقريبا بين السكان المسلمين (53%) والمسيحيين (45%) بينما يعتنق بقية سكان البلاد (أقل من 2%) الديانات الأفريقية التقليدية.
ويتركز المسلمون بشكل أساسي في الولايات الشمالية، بينما يهيمن المسيحيون على المناطق الجنوبية، في حين تتميز منطقة "الحزام الأوسط" بتنوعها الديني.
إلا أن هذا الوصف الديمغرافي المبسط يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، فأبوجا تضم أكثر من 500 جماعة عرقية متميزة، وغالبًا ما يتقاطع فيها الدين مع العرق، مع التنافس الاقتصادي بطرق تتجاوز التصنيف الطائفي البسيط.
هذه العوامل المتداخلة تلقي بظلالها الثقيلة على العنف المزمن في البلد الأفريقي. وبحسب "بي بي سي" يمثل الشمال الشرقي أهم بؤر العنف حيث تنشط كل من جماعة "بوكو حرام" منذ عام 2009 و"تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا" (الذي انشق عن بوكو حرام عام 2016).
وهذان التنظيمان -رغم طابعهما الإسلامي المعلن- يستهدفان المسلمين والمسيحيين على السواء، فقد أطلقت الجماعتان نيرانهما على المساجد واختطفتا الفتيات والفتيان المسلمين من المدارس الثانوية، واستهدفتا المسلمين الذين تعتبرهم الجماعة مرتدين أو غير ملتزمين بما يكفي بتفسيرها للإسلام.
بالانتقال إلى الشمال الغربي، تتغير خارطة العنف وهويته بظهور ما يسمى محليا بـ"قطاع الطرق" وهم عصابات إجرامية منظمة تباشر عمليات اختطاف جماعي وتشن هجمات على القرى الريفية من أجل سرقة الأغنام واحتجاز الرهائن بهدف جمع أموال الفدية.
هذه الممارسات تطال المزارعين المسيحيين تماما كما تنال من مزارعي الهوسا المسلمين، مما يكشف أن العنف في هذه المناطق مدفوع في المقام الأول بالجريمة وسرقة الموارد وليس بالأيديولوجيا الدينية.
أما في ولايات الحزام الأوسط فنجد صراعًا عنيفًا ودمويًا بين رعاة الماشية (مسلمين على الأغلب) والمزارعين (أغلبهم مسيحيون) لكنه صراع حول الأراضي والموارد والمياه والمراعي وليس حول الدين والهوية.
تمتعت هذه المجتمعات تاريخيا بعلاقات تكاملية، حيث كان الرعاة والمزارعون يبادلون الحليب بالحبوب، قبل أن يتسبب التغير المناخي والتصحر في تقليص مساحات الأراضي ويخلق تنافسا حول الموارد بين المزارعين والرعاة.
دفع هذا التنافس المزارعين المسيحيين لادعاء ملكية الأراضي المخصصة لحركة قطعان رعاة الفولاني (المسلمين)، بموجب نظام "البورتي" المبرم خلال الحقبة الاستعمارية لتنظيم حركة الماشية، ما تسبب في انهيار نظام اجتماعي راسخ منذ قرون.
في المقابل، اضطر رعاة الفولاني إلى النزوح جنوبا نحو مناطق كانت تُزرع تقليديا من قِبل مجتمعات مستقرة ذات أغلبية مسيحية، مما عمق التنافس العنيف حول الأراضي والموارد.
إلى الجنوب الشرقي يظهر نوع مختلف من العنف من حيث طبيعته وأهدافه. ويتمركز في تلك المنطقة الانفصاليون المسيحيون، من عرقية الإيغبو، الساعون لإحياء دولة بيافرا البائدة، وهي دولة انفصالية مؤقتة نشأت بين عامي 1967-1970 وتسبب إعلانها في نشوب حرب أهلية دامية.
هؤلاء الانفصاليون يسعون إلى أهدافهم من خلال العنف ضد المؤسسات الحكومية والمدنيين في المنطقة ومعظمهم من المسيحيين، وفي هذه الحالة فإن المسيحيين هم من يقتلون المسيحيين للتنافس على السلطة السياسية.
تُجسّد هذه الصراعات بامتدادها الجغرافي الشاسع، والاختلاف الواضح في محركاتها وأهدافها ثغرة واضحة في "الغلاف الديني" الذي يتبناه ترامب ورموز إدارته.
فالدوافع الرئيسية لهذا العنف لا تدور حول الأيديولوجيا الدينية، بقدر ما تتعلق بالتنافس على الموارد والصراعات على السلطة السياسية، وتباين الانتماء العرقي وحتى النزعات الإجرامية.
هذه الدوافع تغذيها عوامل كامنة مثل الفقر، والتفكك الاجتماعي، وإخفاقات النخب الحاكمة وقصور النظام السياسي. وحتى حين يتم حشد الهويات الدينية والعرقية في روايات الصراع، فإنها تستخدم غالبا غطاء لتعمية الأسباب الجذرية الأخرى للعنف.
نتائج غير مقصودة
الخلاصة هي أن التهديد الأميركي لنيجيريا يقدم نموذجا على كيفية توفير غطاء ديني لعملية استعراض فجة للقوة. والمشكلة أن هذا التهديد يشكل سابقة سيكون لها ما بعدها.
فإذا ما أقرت الولايات المتحدة أن ادعاءات الاضطهاد الديني (حتى غير الموثوقة منها) تبرر التهديدات العسكرية ضد دول ذات أهمية إستراتيجية، فقد يتوسع هذا المعيار ليشمل دولا أخرى، ويفتح الباب أمام عودة الحروب ذات الطابع الديني في عالم يعج بالصراعات.
علاوة على ذلك، قد تأتي تهديدات ترامب بنتائج عكسية. فمن خلال التهديد بالتدخل العسكري، تُخاطر إدارة ترامب بتسريع نفس النتائج التي تدّعي معارضتها.
فإما أن يزعزع ذلك استقرار نيجيريا ويفتح المجال لدائرة أوسع من العنف الطائفي الحقيقي بفعل استدعاء قوة أجنبية "دينية" إلى ميزان طائفي هش ونزاع إقليمي قد يُؤدي إلى نزوح المقاتلين للدول المجاورة، وإما أن يُسرّع من توجه نيجيريا، ومن ورائها العديد من القوى الأفريقية، نحو الصين وروسيا.
بالنسبة لنيجيريا، يُمثل هذا التهديد اختبارًا لسيادتها وقدرتها على المقاومة. وقد عرضت حكومة تينوبو تعاونا مشروطا مع الولايات المتحدة مع حد فاصل واضح وهو احترام سيادة أبوجا، في حين سارع الاتحاد الأفريقي للدفاع عن سيادة القارة معلنا رفض استخدام القوى الخارجية للخطابات الدينية سلاحا لتبرير التدخل العسكري.
تشير ردود الأفعال هذه، إلى أنه في حين أن خطاب ترامب قد يرضي قاعدته الإنجيلية ويحقق بعض المصالح الأميركية قصيرة الأجل، فإن تأثيره العملي هو المزيد من العزلة للولايات المتحدة والمزيد من الأفول لنجمها السياسي.
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية