Prev  

10. Surah Ynus سورة يونس

  Next  



تفسير القرطبي - يونس - Yunus -
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِسْم ِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ
    +/- -/+  
الأية
1
 
الر سورة يونس عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : { فإن كنت في شك } [ يونس : 94 ] إلى آخرهن . وقال مقاتل : إلا آيتين وهي قوله : { فإن كنت في شك }{ نزلت بالمدينة . وقال الكلبي : مكية إلا قوله : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } [ يونس : 40 ] نزلت بالمدينة في اليهود . وقالت فرقة : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة . قال النحاس : قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال : أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس : الر , وحم , ونون حروف الرحمن مفرقة ; فحدثت به الأعمش فقال : عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ؟ . وعن ابن عباس أيضا قال : { الر }{ أنا الله أرى . قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ; لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا وقال الحسن وعكرمة : { الر }{ قسم . وقال سعيد عن قتادة : { الر }{ اسم السورة ; قال : وكذلك كل هجاء في القرآن . وقال مجاهد : هي فواتح السور . وقال محمد بن يزيد : هي تنبيه , وكذا حروف التهجي . وقرئ }{ الر }{ من غير إمالة . وقرئ بالإمالة لئلا تشبه ما ولا من الحروف . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ابتداء وخبر ; أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم . قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ; فإن }{ تلك }{ إشارة إلى غائب مؤنث . وقيل : { تلك }{ بمعنى هذه ; أي هذه آيات الكتاب الحكيم . ومنه قول الأعشى : تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب أي هذه خيلي . والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ; لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر , ولأن }{ الحكيم }{ من نعت القرآن . دليله قوله تعالى : { الر كتاب أحكمت آياته } [ هود : 1 ] وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة }{ البقرة } . والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ; قاله أبو عبيدة وغيره . وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ; أي إنه حاكم بالحلال والحرام , وحاكم بين الناس بالحق ; فعيل بمعنى فاعل . دليله قوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } [ البقرة : 213 ] . وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ; أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى , وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر , وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ; فهو فعيل بمعنى المفعول ; قاله الحسن وغيره . وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ; فعيل بمعنى مفعل , كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ
    +/- -/+  
الأية
2
 
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا استفهام معناه التقرير والتوبيخ .{ وعجبا }{ خبر كان , واسمهاأَنْ أَوْحَيْنَا وهو في موضع رفع ; أي كان إيحاؤنا عجبا للناس . وفي قراءة عبد الله }{ عجب }{ على أنه اسم كان . والخبر }{ أن أوحينا } . إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ قرئ }{ رجل }{ بإسكان الجيم . وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد : إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا . وقالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب ; فنزلت : { أكان للناس }{ يعني أهل مكة }{ عجبا } . وقيل : إنما تعجبوا من ذكر البعث . أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب بإسقاط الخافض ; أي بأن أنذر الناس , وقد تقدم معنى النذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية . أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ واختلف في معنى }{ قدم صدق }{ فقال ابن عباس : قدم صدق منزل صدق ; دليله قوله تعالى : { وقل رب أدخلني مدخل صدق } [ الإسراء : 80 ] . وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم . وعنه أيضا } قدم صدق }{ سبق السعادة في الذكر الأول , وقاله مجاهد . الزجاج : درجة عالية . قال ذو الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحر قتادة : سلف صدق . الربيع : ثواب صدق . عطاء : مقام صدق . يمان : إيمان صدق . وقيل : دعوة الملائكة . وقيل : ولد صالح قدموه . الماوردي : أن يوافق صدق الطاعة الجزاء . وقال الحسن وقتادة أيضا : هو محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنه شفيع مطاع يتقدمهم ; كما قال : ( أنا فرطكم على الحوض )  . وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال : ( هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم )  . وقال الترمذي الحكيم : قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود . وعن الحسن أيضا : مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد العزيز بن يحيى : { قدم صدق }{ قوله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } [ الأنبياء : 101 ] وقال مقاتل : أعمالا قدموها ; واختاره الطبري . قال الوضاح : صل لذي العرش واتخذ قدما تنجيك يوم العثار والزلل وقيل : هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة . كما قال : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق )  . وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح ; فكنى عنه بالقدم كما يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان . وأنشد حسان : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع يريد السابقة بإخلاص الطاعة , والله أعلم . وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ; يقال : لفلان قدم في الإسلام , له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير . وهو مؤنث وقد يذكر ; يقال : قدم حسن وقدم صالحة . وقال ابن الأعرابي : القدم التقدم في الشرف ; قال العجاج : زل بنو العوام عن آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدم وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لي خمسة أسماء . أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب )  يريد آخر الأنبياء ; كما قال تعالى : { وخاتم النبيين } [ الأحزاب : 40 ] . قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش }{ لساحر }{ نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ الباقون }{ لسحر }{ نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في }{ البقرة } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
    +/- -/+  
الأية
3
 
إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ هذه مسألة الاستواء ; وللعلماء فيها كلام وإجراء . وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى )  وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا . والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة , فليس بجهة فوق عندهم ; لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز , ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز , والتغير والحدوث . هذا قول المتكلمين . وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك , بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله . ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة . وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته , وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته . قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول , والسؤال عن هذا بدعة . وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها . وهذا القدر كاف , ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء . والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار . قال الجوهري : واستوى من اعوجاج , واستوى على ظهر دابته ; أي استقر . واستوى إلى السماء أي قصد . واستوى أي استولى وظهر . قال : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق واستوى الرجل أي انتهى شبابه . واستوى الشيء إذا اعتدل . وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] قال : علا . وقال الشاعر : فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا وارتفع . قلت : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته . أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد , ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه ; لكنه العلي بالإطلاق سبحانه . { على العرش }{ لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد . قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك . وفي التنزيل }{ نكروا لها عرشها } [ النمل : 41 ] , { ورفع أبويه على العرش } [ يوسف : 100 ] . والعرش : سقف البيت . وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع . وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء , يقال : إنها عجز الأسد . وعرش البئر : طيها بالخشب , بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة ; فذلك الخشب هو العرش , والجمع عروش . والعرش اسم لمكة . والعرش الملك والسلطان . يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه . قال زهير : تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك , أي ما استوى الملك إلا له جل وعز . وهو قول حسن وفيه نظر , وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا . والحمد لله . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده . ابن عباس : لا يشركه في تدبير خلقه أحد . وقيل : يبعث بالأمر . وقيل : ينزل به . وقيل : يأمر به ويمضيه ; والمعنى متقارب . فجبريل للوحي , وميكائيل للقطر , وإسرافيل للصور , وعزرائيل للقبض . وحقيقته تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها , واشتقاقه من الدبر . والأمر اسم لجنس الأمور . مَا مِنْ شَفِيعٍ في موضع رفع , والمعنى ما شفيعإِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ وقد تقدم في }{ البقرة }{ معنى الشفاعة . فلا يشفع أحد نبي ولا غيره إلا بإذنه سبحانه , وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [ يونس : 18 ] فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه , فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل . ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السماوات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره .{ فاعبدوه }{ أي وحدوه وأخلصوا له العبادة . أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
    +/- -/+  
الأية
4
 
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا رفع بالابتداء .{ جميعا }{ نصب على الحال . ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه . وَعْدَ اللهِ حَقًّا مصدران ; أي وعد الله ذلك وعدا وحققه }{ حقا }{ صدقا لا خلف فيه . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة }{ وعد الله حق }{ على الاستئناف . إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي من التراب .{ ثم يعيده } إليه . مجاهد : ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث ; أو ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال . وقرأ يزيد بن القعقاع }{ أنه يبدأ الخلق }{ تكون }{ أن }{ في موضع نصب ; أي وعدكم أنه يبدأ الخلق . ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق ; كما يقال : لبيك أن الحمد والنعمة لك ; والكسر أجود . وأجاز الفراء أن تكون }{ أن }{ في موضع رفع فتكون اسما . قال أحمد بن يحيى : يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ أي بالعدل . وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ أي ماء حار قد انتهى حره , والحميمة مثله . يقال : حممت الماء أحمه فهو حميم , أي محموم ; فعيل بمعنى مفعول . وكل مسخن عند العرب فهو حميم . وَعَذَابٌ أَلِيمٌ أي موجع , يخلص وجعه إلى قلوبهم . بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ أي بكفرهم , وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم ; فاحتج عليهم بهذا فقال : من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق الأجزاء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
    +/- -/+  
الأية
5
 
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً مفعولان , أي مضيئة , ولم يؤنث لأنه مصدر ; أو ذات ضياءوَالْقَمَرَ نُورًا عطف , أي منيرا , أو ذا نور , فالضياء ما يضيء الأشياء , والنور ما يبين فيخفى , لأنه من النار من أصل واحد . والضياء جمع ضوء ; كالسياط والحياض جمع سوط وحوض . وقرأ قنبل عن ابن كثير }{ ضئاء }{ بهمز الياء ولا وجه له , لأن ياءه كانت واوا مفتوحة وهي عين الفعل , أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام . قال المهدوي : ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب , قدمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا , ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة . وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال . ويقال : إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السماوات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع . وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ أي ذا منازل , أو قدر له منازل . ثم قيل : المعنى وقدرهما , فوحد إيجازا واختصارا ; كما قال : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } . وكما قال : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقيل : إن الإخبار عن القمر وحده ; إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها , كما تقدم في }{ البقرة } . وفي سورة يس : { والقمر قدرناه منازل } [ يس : 39 ] أي على عدد الشهر , وهو ثمانية وعشرون منزلا . ويومان للنقصان والمحاق , وهناك يأتي بيانه . لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ قال ابن عباس : لو جعل شمسين , شمسا بالنهار وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل , لم يعلم عدد السنين وحساب الشهور . وواحد }{ السنين }{ سنة , ومن العرب من يقول : سنوات في الجمع ومنهم من يقول : سنهات . والتصغير سنية وسنيهة . مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب , وإظهارا لصنعته وحكمته , ودلالة على قدرته وعلمه , ولتجزى كل نفس بما كسبت ; فهذا هو الحق . يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها على قدرته تعالى , لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب ; فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب }{ يفصل }{ بالياء , واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لقوله من قبله : { ما خلق الله ذلك إلا بالحق }{ وبعده }{ وما خلق الله في السماوات والأرض { فيكون متبعا له . وقرأ ابن السميقع }{ تفصل }{ بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول , { والآيات }{ رفعا . الباقون }{ نفصل }{ بالنون على التعظيم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
    +/- -/+  
الأية
6
 
تقدم في }{ البقرة }{ وغيرها معناه , والحمد لله . وقد قيل : إن سبب نزولها أن أهل مكة سألوا آية فردهم إلى تأمل مصنوعاته والنظر فيها ; قال ابن عباس .{ لقوم يتقون }{ أي الشرك ; فأما من أشرك ولم يستدل فليست الآية له آية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
    +/- -/+  
الأية
7
 
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا }{ يرجون }{ يخافون ; ومنه قول الشاعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل وقيل يرجون يطمعون ; ومنه قول الآخر : أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع ; أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا . وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيما لهما . وقيل : يجري اللقاء على ظاهره , وهو الرؤية ; أي لا يطمعون في رؤيتنا . وقال بعض العلماء : لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد ; كقوله تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } [ نوح : 13 ] . وقال بعضهم : بل يقع بمعناه في كل موضع دل عليه المعنى . وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي رضوا بها عوضا من الآخرة فعملوا لها . وَاطْمَأَنُّوا بِهَا أي فرحوا بها وسكنوا إليها , وأصل اطمأن طأمن طمأنينة , فقدمت ميمه وزيدت نون وألف وصل , ذكره الغزنوي . وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا أي عن أدلتناغَافِلُونَ لا يعتبرون ولا يتفكرون .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
    +/- -/+  
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
    +/- -/+  
الأية
9
 
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي صدقوا . يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ أي يزيدهم هداية ; كقوله : { والذين اهتدوا زادهم هدى } [ محمد : 17 ] . وقيل : { يهديهم ربهم بإيمانهم }{ إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار . وقال أبو روق : يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة . وقال عطية : { يهديهم }{ يثيبهم ويجزيهم . وقال مجاهد : { يهديهم ربهم }{ بالنور على الصراط إلى الجنة , يجعل لهم نورا يمشون به . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوي هذا أنه قال : ( يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله )  . هذا معنى الحديث . وقال ابن جريج : يجعل عملهم هاديا لهم . الحسن : { يهديهم }{ يرحمهم . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قيل : في الكلام واو محذوفة , أي وتجري من تحتهم , أي من تحت بساتينهم . وقيل : من تحت أسرتهم ; وهذا أحسن في النزهة والفرجة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
    +/- -/+  
الأية
10
 
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ دعواهم : أي دعاؤهم ; والدعوى مصدر دعا يدعو , كالشكوى مصدر شكا يشكو ; أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل : إذا أرادوا أن يسألوا شيئا أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد . وقيل : نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاءوا ثم سبحوا . وقيل : إن الدعاء هنا بمعنى التمني قال الله تعالى }{ ولكم فيها ما تدعون } [ فصلت : 31 ] أي ما تتمنون . والله أعلم . وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية بعضهم لبعض : سلام . وقد مضى في }{ النساء }{ معنى التحية مستوفى . والحمد لله . وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه أربع مسائل : الأولى : قيل : إن أهل الجنة إذا مر بهم الطير واشتهوه قالوا : سبحانك اللهم ; فيأتيهم الملك بما اشتهوا , فإذا أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ التسبيح والختم بلفظ الحمد . ولم يحك أبو عبيد إلا تخفيف }{ أن }{ ورفع ما بعدها ; قال : وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله عز وجل : { أن لعنة الله }{ و }{ أن غضب الله }{ لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال الحمد لله . قال النحاس : مذهب الخليل وسيبويه أن }{ أن }{ هذه مخففة من الثقيلة . والمعنى أنه الحمد لله . قال محمد بن يزيد : ويجوز }{ أن الحمد لله } يعملها خفيفة عملها ثقيلة ; والرفع أقيس . قال النحاس : وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ }{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } . قلت : وهي قراءة ابن محيصن , حكاها الغزنوي لأنه يحكي عنه . الثانية : التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء ; روى مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم . لا إله إلا الله رب العرش العظيم . لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم )  . قال الطبري : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب . وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال : أما علمت أن الله تعالى يقول ( إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين )  . والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له )  . الثالثة : من السنة لمن بدأ بالأكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة ; وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها )  . الرابعة : يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ; وحسن أن يقرأ آخر }{ والصافات } فإنها جمعت تنزيه البارئ تعالى عما نسب إليه , والتسليم على المرسلين , والختم بالحمد لله رب العالمين .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
    +/- -/+  
الأية
11
 
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ قيل : معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا , لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا , وليس هم كذا يوم القيامة ; لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء . وقيل : المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم ; وهو معنى }{ لقضي إليهم أجلهم } . وقيل : إنه خاص بالكافر ; أي ولو يجعل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة ; قال ابن إسحاق . مقاتل : هو قول النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ; فلو عجل لهم هذا لهلكوا . وقال مجاهد : نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب : اللهم أهلكه , اللهم لا تبارك له فيه والعنه , أو نحو هذا ; فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم . فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر ; فلو عجل لهم لهلكوا . واختلف في إجابة هذا الدعاء ; فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه )  . وقال شهر بن حوشب : قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد : لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا ; لطفا من الله تعالى عليه . قال بعضهم : وقد يستجاب ذلك الدعاء , واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب , قال جابر : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة , فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب , ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن ; فقال له : شأ ; لعنك الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من هذا اللاعن بعيره )  ؟ قال : أنا يا رسول الله ; قال : ( انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ) . في غير كتاب مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال : ( أين الذي لعن ناقته )  ؟ فقال الرجل : أنا هذا يا رسول الله ; فقال : ( أخرها عنك فقد أجبت فيها )  ذكره الحليمي في منهاج الدين .{ شأ }{ يروى بالسين والشين , وهو زجر للبعير بمعنى سر . قوله تعالى : { ولو يعجل الله }{ قال العلماء : التعجيل من الله , والاستعجال من العبد . وقال أبو علي : هما من الله ; وفي الكلام حذف ; أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير , ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه , ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه ; هذا مذهب الخليل وسيبويه . وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم , ثم حذف الكاف ونصب . قال الفراء : كما تقول ضربت زيدا ضربك , أي كضربك . وقرأ ابن عامر }{ لقضى إليهم أجلهم } . وهي قراءة حسنة ; لأنه متصل بقوله : { ولو يعجل الله للناس الشر } . فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب , أو يخرج من أصلابهم مؤمن . فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يتحيرون . والطغيان : العلو والارتفاع ; وقد تقدم في }{ البقرة } . وقد قيل : إن المراد بهذه الآية أهل مكة , وإنها نزلت حين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } [ الأنفال : 32 ] الآية , على ما تقدم والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
    +/- -/+  
الأية
12
 
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر , قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك , تصيبه البأساء والشدة والجهد .{ دعانا لجنبه }{ أي على جنبه مضطجعا . أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا وإنما أراد جميع حالاته ; لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة . قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر , فهو يدعو أكثر , واجتهاده أشد , ثم القاعد ثم القائم . فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ . قلت : وهذه صفة كثير من المخلصين الموحدين , إذا أصابته . العافية مر على ما كان عليه من المعاصي ; فالآية تعم الكافر وغيره . كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ قال الأخفش : هي }{ كأن }{ الثقيلة خففت , والمعنى كأنه وأنشد : وي كأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر كَذَلِكَ أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عن الرخاء . زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي . وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله , ويجوز أن يكون من الشيطان , وإضلاله دعاؤه إلى الكفر .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
    +/- -/+  
الأية
13
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم . لَمَّا ظَلَمُوا أي كفروا وأشركوا . وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات . وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون . يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية ; أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم , ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن , أو يخرج من أصلابهم من يؤمن . وهذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان . وقيل : معنى }{ ما كانوا ليؤمنوا }{ أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم ; ويدل على هذا أنه قال : { كذلك نجزي القوم المجرمين } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
    +/- -/+  
الأية
14
 
قوله تعالى : { ثم جعلناكم خلائف }{ مفعولان . والخلائف جمع خليفة , وقد تقدم آخر } الأنعام }{ أي جعلناكم سكانا في الأرض .{ من بعدهم }{ أي من بعد القرون المهلكة .{ لننظر }{ نصب بلام كي , وقد تقدم نظائره وأمثاله ; أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب , ولم يزل يعلمه غيبا . وقيل : يعاملكم معاملة المختبر إظهارا للعدل . وقيل : النظر راجع إلى الرسل ; أي لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم . و }{ كيف } نصب بقوله : تعملون : لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
    +/- -/+  
الأية
15
 
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ }{ تتلى }{ تقرأ , و }{ بينات }{ نصب على الحال ; أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال . قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب . قال قتادة : يعني مشركي أهل مكة . ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه , والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه ; وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه : أحدها : أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا , والحلال حراما والحرام حلالا ; قاله ابن جرير الطبري . الثاني : سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ; قاله ابن عيسى . الثالث : أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ; قاله الزجاج . قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أي قل يا محمد ما كان لي }{ أن أبدله من تلقاء نفسي }{ ومن عندي , كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد , وتحريم وتحليل , وأمر ونهي . وقد يستدل بهذا من يمنع نسخ الكتاب بالسنة ; لأنه تعالى قال : { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي }{ وهذا فيه بعد ; فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما , ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادرا على ذلك , ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ ; ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه , بل كان من عند الله تعالى . إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به . عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
    +/- -/+  
الأية
16
 
قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن , ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به ; يقال : دريت الشيء وأدراني الله به , ودريته ودريت به . وفي الدراية معنى الختل ; ومنه دريت الرجل أي ختلته , ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالى وأيضا عدم فيه التوقيف . وقرأ ابن كثير : { ولأدراكم به }{ بغير ألف بين اللام والهمزة ; والمعنى : لو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم ; فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل . وقرأ ابن عباس والحسن }{ ولا أدراتكم به }{ بتحويل الياء ألفا , على لغة بني عقيل ; قال الشاعر : لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقي على الأرض قيسي يسوق الأباعرا وقال آخر : ألا آذنت أهل اليمامة طيئ بحرب كناصات الأغر المشهر قال أبو حاتم : سمعت الأصمعي يقول سألت أبا عمرو بن العلاء : هل لقراءة الحسن }{ ولا أدراتكم به }{ وجه ؟ فقال لا . وقال أبو عبيد : لا وجه لقراءة الحسن }{ ولا أدراتكم به }{ إلا الغلط . قال النحاس : معنى قول أبي عبيد : لا وجه , إن شاء الله على الغلط ; لأنه يقال : دريت أي علمت , وأدريت غيري , ويقال : درأت أي دفعت ; فيقع الغلط بين دريت ودرأت . قال أبو حاتم : يريد الحسن فيما أحسب }{ ولا أدريتكم به }{ فأبدل من الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب , يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما قبلها ; مثل : { إن هذان لساحران } [ طه : 63 ] . قال المهدوي : ومن قرأ }{ أدرأتكم }{ فوجهه أن أصل الهمزة ياء , فأصله } أدريتكم }{ فقلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة ; كما قال : يايس في ييس وطايئ في طيئ , ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم . قال النحاس : وهذا غلط , والرواية عن الحسن }{ ولا أدرأتكم }{ بالهمزة , وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز , ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت ; أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن . فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا ظرف , أي مقدارا من الزمان وهو أربعون سنة . وقيل : معنى }{ لبثت فيكم عمرا }{ أي لبثت فيكم مدة شبابي لم أعص الله , أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أخالف أمر الله , وأغير ما ينزله علي . قال قتادة : لبث فيهم أربعين سنة , وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء , وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة . مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل القرآن , تعرفونني بالصدق والأمانة , لا أقرأ ولا أكتب , ثم جئتكم بالمعجزات . أَفَلَا تَعْقِلُونَ أن هذا لا يكون إلا من عند الله لا من قبلي .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
    +/- -/+  
الأية
17
 
هذا استفهام بمعنى الجحد ; أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب , وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله . وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب , وقلتم ليس هذا كلامه . وهذا مما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم . وقيل : هو من قول الله ابتداء . وقيل : المفتري المشرك , والمكذب بالآيات أهل الكتاب .{ إنه لا يفلح المجرمون } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
    +/- -/+  
الأية
18
 
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ يريد الأصنام . وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ وهذه غاية الجهالة منهم ; حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال . وقيل : { شفعاؤنا }{ أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا . قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ قراءة العامة } تنبئون }{ بالتشديد . وقرأ أبو السمال العدوي }{ أتنبئون الله }{ مخففا , من أنبأ ينبئ . وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ; وهما بمعنى واحد , جمعهما قوله تعالى : { من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } [ التحريم : 3 ] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه , والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض ; لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه . نظيره قوله : { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " [ الرعد : 33 ]سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : { سبحانه وتعالى عما يشركون }{ أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز }{ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فيكذبون ; وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم , سبحانه وتعالى عما يشركون ! . وقرأ حمزة والكسائي }{ تشركون }{ بالتاء , وهو اختيار أبي عبيد . الباقون بالياء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
    +/- -/+  
الأية
19
 
تقدم في }{ البقرة }{ معناه فلا معنى للإعادة . وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك . وقيل : كل مولود يولد على الفطرة , فاختلفوا عند البلوغ .{ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون }{ إشارة إلى القضاء والقدر ; أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا , فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم , ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة ; قاله الحسن . وقال أبو روق : { لقضي بينهم }{ لأقام عليهم الساعة . وقيل : لفرغ من هلاكهم . وقال الكلبي : { الكلمة } أن الله أخر هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة , فلولا . هذا التأخير لقضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة . والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به . وقيل : الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل ; كما قال : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [ الإسراء : 15 ] وقيل : الكلمة قوله : ( سبقت رحمتي غضبي )  ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة . وقرأ عيسى }{ لقضى }{ بالفتح .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
    +/- -/+  
الأية
20
 
وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يريد أهل مكة ; أي هلا أنزل عليه آية , أي معجزة غير هذه المعجزة , فيجعل لنا الجبال ذهبا ويكون له بيت من زخرف , ويحيي لنا من مات من آبائنا . وقال الضحاك : عصا كعصا موسى . فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب . فَانْتَظِرُوا أي تربصوا . إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزولها . وقيل : انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
    +/- -/+  
الأية
21
 
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ يريد كفار مكة . رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ قيل : رخاء بعد شدة , وخصب بعد جدب . إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا أي استهزاء وتكذيب . وجواب قوله : { وإذا أذقنا } : { إذا لهم }{ على قول الخليل وسيبويه . قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ابتداء وخبر .{ مكرا }{ على البيان ; أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم , أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر . إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ يعني بالرسل الحفظة . وقراءة العامة }{ تمكرون }{ بالتاء خطابا . وقرأ يعقوب في رواية رويس وأبو عمرو في رواية هارون العتكي }{ يمكرون }{ بالياء ; لقوله : { إذا لهم مكر في آياتنا }{ قيل : قال أبو سفيان قحطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك ; فسقوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا , فهذا مكرهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
    +/- -/+  
الأية
22
 
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك . وقال الكلبي : يحفظكم في السير . والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر . وقد مضى الكلام في ركوب البحر في }{ البقرة } .{ يسيركم }{ قراءة العامة . ابن عامر }{ ينشركم }{ بالنون والشين , أي يبثكم ويفرقكم . والفلك يقع على الواحد والجمع , ويذكر ويؤنث , وقد تقدم القول فيه . وقوله : { وجرين بهم }{ خروج من الخطاب إلى الغيبة , وهو في القرآن وأشعار العرب كثير ; قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد قال ابن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب ; قال الله تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا } [ الإنسان : 21 - 22 ] فأبدل الكاف من الهاء . قوله تعالى { بريح طيبة وفرحوا بها }{ تقدم الكلام فيها في البقرةجَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ الضمير في }{ جاءتها }{ للسفينة . وقيل للريح الطيبة . والعاصف الشديدة ; يقال : عصفت الريح وأعصفت , فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة , قال الشاعر : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زجل وقال }{ عاصف }{ بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر , وهي القاصف أيضا . والطيبة غير عاصف ولا بطيئة . وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ والموج ما ارتفع من الماءوَظَنُّوا أي أيقنواأَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي أحاط بهم البلاء ; يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به , كأن البلاء قد أحاط به ; وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله . دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون . وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد , وأن المضطر يجاب دعاؤه , وإن كان كافرا ; لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب ; على ما يأتي بيانه في }{ النمل }{ إن شاء الله تعالى . وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا ; أي يا حي يا قيوم . وهي لغة العجم . مسألة : هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا , ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء .. . الحديث . وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو , وقد مضى هذا المعنى في }{ البقرة } مستوفى والحمد لله . وقد تقدم في آخر }{ الأعراف }{ حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه , هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه ; فتأمله هناك . لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ أي هذه الشدائد والأهوال . وقال الكلبي : من هذه الريح . لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
    +/- -/+  
الأية
23
 
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ أي خلصهم وأنقذهم . إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي . والبغي : الفساد والشرك ; من بغى الجرح إذا فسد ; وأصله الطلب , أي يطلبون الاستعلاء بالفساد . بِغَيْرِ الْحَقِّ أي بالتكذيب ; ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ أي وباله عائد عليكم ; وتم الكلام , ثم ابتدأ فقال : { متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون }{ أي هو متاع الحياة الدنيا ; ولا بقاء له . قال النحاس : { بغيكم }{ رفع بالابتداء وخبره }{ متاع الحياة الدنيا } . و }{ على أنفسكم }{ مفعول معنى فعل البغي . ويجوز أن يكون خبره }{ على أنفسكم }{ وتضمر مبتدأ , أي ذلك متاع الحياة الدنيا , أو هو متاع الحياة الدنيا ; وبين المعنيين حرف لطيف , إذا رفعت متاعا على أنه خبر }{ بغيكم }{ فالمعنى . إنما بغي بعضكم على بعض ; مثل : { فسلموا على أنفسكم } [ النور : 61 ] وكذا }{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [ التوبة : 128 ] . وإذا كان الخبر }{ على أنفسكم }{ فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم ; مثل }{ وإن أسأتم فلها } . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا , أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا ; كما يقال : البغي مصرعة . وقرأ ابن أبي إسحاق }{ متاع }{ بالنصب على أنه مصدر ; أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا . أو بنزع الخافض , أي لمتاع , أو مصدر , بمعنى المفعول على الحال , أي متمتعين . أو هو نصب على الظرف , أي في متاع الحياة الدنيا , ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي . و }{ على أنفسكم }{ مفعول ذلك المعنى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
    +/- -/+  
الأية
24
 
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ معنى الآية التشبيه والتمثيل , أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ; أي مثل ماء , فالكاف في موضع رفع . وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في }{ الكهف }{ إن شاء الله تعالى .{ أنزلناه من السماء }{ نعت ل }{ ماء } . فَاخْتَلَطَ روي عن نافع أنه وقف على }{ فاختلط }{ أي فاختلط الماء بالأرض , ثم ابتدأبِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ أي بالماء نبات الأرض ; فأخرجت ألوانا من النبات , فنبات على هذا ابتداء , وعلى مذهب من لم يقف على }{ فاختلط }{ مرفوع باختلط ; أي اختلط النبات بالمطر , أي شرب منه فتندى وحسن واخضر . والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض . مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من الحبوب والثمار والبقول . وَالْأَنْعَامُ من الكلإ والتبن والشعير . حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا أي حسنها وزينتها . والزخرف كمال حسن الشيء ; ومنه قيل للذهب : زخرف . وَازَّيَّنَتْ أي بالحبوب والثمار والأزهار ; والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل ; لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب }{ وتزينت }{ على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية }{ وأزينت }{ أي أتت بالزينة عليها , أي الغلة والزرع , وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت . وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا }{ وازيانت }{ وزنه اسوادت . وفي رواية المقدمي }{ وازاينت }{ والأصل فيه تزاينت , وزنه تقاعست ثم أدغم . وقرأ الشعبي وقتادة { وازيانت }{ مثل افعلت . وقرأ عثمان النهدي }{ وازينت }{ مثل افعلت , وعنه أيضا } وازيانت }{ مثل افعالت , وروي عنه }{ ازيأنت }{ بالهمزة ; ثلاث قراءات . وَظَنَّ أَهْلُهَا أي أيقن . أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أي على حصادها والانتفاع بها ; أخبر عن الأرض والمعني النبات إذ كان مفهوما وهو منها . وقيل : رد إلى الغلة , وقيل : إلى الزينة . أَتَاهَا أَمْرُنَا أي عذابنا , أو أمرنا بهلاكها . لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ظرفان . فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا مفعولان , أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها . وقال }{ حصيدا }{ ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول . قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل . كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي لم تكن عامرة ; من غني إذا أقام فيه وعمره . والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس . وقال قتادة : كأن لم تنعم . قال لبيد : وغنيت سبتا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود وقراءة العامة }{ تغن } بالتاء لتأنيث الأرض . وقرأ قتادة }{ يغن }{ بالياء , يذهب به إلى الزخرف ; يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا . كَذَلِكَ نُفَصِّلُ أي نبينها . الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في آيات الله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَاللهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
    +/- -/+  
الأية
25
 
وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال : إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام , أي إلى الجنة . قال قتادة والحسن : السلام هو الله , وداره الجنة ; وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات . ومن أسمائه سبحانه }{ السلام } , وقد بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى )  . ويأتي في سورة }{ الحشر { إن شاء الله . وقيل : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة . والسلام والسلامة بمعنى كالرضاع والرضاعة ; قاله الزجاج . قال الشاعر : تحيي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد قومك من سلام وقيل : أراد والله يدعو إلى دار التحية ; لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام , وكذلك من الملائكة . قال الحسن : إن السلام لا ينقطع , عن أهل الجنة , وهو تحيتهم ; كما قال : { وتحيتهم فيها سلام } [ يونس : 10 ] . وقال يحيى بن معاذ : يا ابن آدم , دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه , فإن أجبته من دنياك دخلتها , وإن أجبته من قبرك منعتها . وقال ابن عباس : الجنان سبع : دار الجلال , ودار السلام , وجنة عدن , وجنة المأوى , وجنة الخلد , وجنة الفردوس , وجنة النعيم . وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ عم بالدعوة إظهارا لحجته , وخص بالهداية استغناء عن خلقه . والصراط المستقيم , قيل : كتاب الله ; رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الصراط المستقيم كتاب الله تعالى )  . وقيل : الإسلام ; رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : الحق ; قاله قتادة ومجاهد . وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . وروى جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : ( رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها )  ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } . ثم تلا قتادة ومجاهد : { والله يدعو إلى دار السلام } . وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية ; لأنهم قالوا : هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم , والله قال : { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }{ فردوا على الله نصوص القرآن .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
    +/- -/+  
الأية
26
 
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وزيادة }{ قال : ( للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم )  وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في رواية . وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية , وهو قول جماعة من التابعين , وهو الصحيح في الباب . وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل )  وفي رواية ثم تلا ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }{ وخرجه النسائي أيضا عن صهيب قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه الآية }{ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }{ قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد أن ينجزكموه قالوا ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم )  . وخرجه ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفا , وقد ذكرناه في كتاب التذكرة , وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب , والحمد لله . وخرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله : حدثنا علي بن حجر حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله ; في قوله }{ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة { قال : ( النظر إلى وجه الرحمن )  وعن قوله : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } [ الصافات : 147 ] قال : ( عشرون ألفا )  . وقد قيل : إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك ; روي عن ابن عباس . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب . وقال مجاهد : الحسنى حسنة مثل حسنة , والزيادة مغفرة من الله ورضوان . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحسنى الجنة , والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم القيامة . وقال عبد الرحمن بن سابط : الحسنى البشرى , والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ; قال الله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 - 23 ] . وقال يزيد بن شجرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر التي لم يروها , وتقول : يا أهل الجنة , ما تريدون أن أمطركم ؟ فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم إياه . وقيل : الزيادة أنه ما يمر عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل أحدهم سبعون ألف ملك , مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه , ما رأوا مثل تلك الهدايا قط ; فسبحان الواسع العليم الغني الحميد العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي لا تتناهى مقدوراته . وقيل : { أحسنوا }{ أي معاملة الناس , { الحسنى } : شفاعتهم , والزيادة : إذن الله تعالى فيها وقبوله . وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قيل : معناه يلحق ; ومنه قيل : غلام مراهق إذا لحق بالرجال . وقيل : يعلو . وقيل : يغشى ; والمعنى متقارب . قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }{ قتر }{ غبار .{ ولا ذلة } أي مذلة ; كما يلحق أهل النار ; أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذلة . وأنشد أبو عبيدة للفرزدق : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا وقرأ الحسن }{ قتر }{ بإسكان التاء . والقتر والقترة والقترة بمعنى واحد ; قاله النحاس . وواحد القتر قترة ; ومنه قوله تعالى : { ترهقها قترة } [ عبس : 41 ] أي تعلوها غبرة . وقيل : قتر كآبة وكسوف . ابن عباس : القتر سواد الوجوه . ابن بحر : دخان النار ; ومنه قتار القدر . وقال ابن ليلى : هو بعد نظرهم إلى ربهم عز وجل . قلت : هذا فيه نظر ; فإن الله عز وجل يقول : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }{ إلى قوله }{ لا يحزنهم الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 101 - 103 ] وقال في غير آية : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [ البقرة : 62 ] وقال : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا } [ فصلت : 30 ] الآية . وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن , ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره .{ وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون } [ آل عمران : 107 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
    +/- -/+  
الأية
27
 
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ أي عملوا المعاصي . وقيل : الشرك . جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا }{ جزاء }{ مرفوع بالابتداء , وخبره }{ بمثلها } . قال ابن كيسان : الباء زائدة ; والمعنى جزاء سيئة مثلها . وقيل : الباء مع ما بعدها الخبر , وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه , والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها ; كقولك : إنما أنا بك ; أي إنما أنا كائن بك . ويجوز أن تتعلق بجزاء , التقدير : جزاء سيئة بمثلها كائن ; فحذف خبر المبتدأ . ويجوز أن يكون }{ جزاء }{ مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة ; فيكون مثل قوله : { فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 184 ] أي فعليه عدة , وشبهه ; والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف , كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها , أو تكون مؤكدة أو زائدة . ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم , أي هم غير مظلومين , وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلل بعلة . وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي يغشاهم هوان وخزي . مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ أي من عذاب الله . مِنْ عَاصِمٍ أي مانع يمنعهم منه . كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ أي ألبست . وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ جمع قطعة , وعلى هذا يكون }{ مظلما }{ حال من }{ الليل }{ أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . وقرأ الكسائي وابن كثير }{ قطعا }{ بإسكان الطاء ; ف }{ مظلما }{ على هذا نعت , ويجوز أن يكون حالا من الليل . والقطع اسم ما قطع فسقط . وقال ابن السكيت : القطع طائفة من الليل ; وسيأتي في }{ هود }{ إن شاء الله تعالى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
    +/- -/+  
الأية
28
 
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا أي نجمعهم , والحشر الجمع .{ جميعا }{ حال . ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أي اتخذوا مع الله شريكا . مَكَانَكُمْ أي الزموا واثبتوا مكانكم , وقفوا مواضعكم . أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ وهذا وعيد . فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ أي فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا ; يقال : زيلته فتزيل , أي فرقته فتفرق , وهو فعلت ; لأنك تقول في مصدره تزييلا , ولو كان فيعلت لقلت زيلة . والمزايلة المفارقة ; يقال : زايله الله مزايلة وزيالا إذا فارقه . والتزايل التباين . قال الفراء : وقرأ بعضهم }{ فزايلنا بينهم } ; يقال : لا أزايل فلانا , أي لا أفارقه ; فإن قلت : لا أزاوله فهو بمعنى آخر , معناه لا أخاتله . وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ عني بالشركاء الملائكة . وقيل : الشياطين , وقيل : الأصنام ; فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة . وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا . قال مجاهد : ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون , وما أمرناكم بعبادتنا . وإن حمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دهشا , أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص , وقد يجري مثل هذا غدا ; وإن صارت المعارف ضرورية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَكَفَىٰ بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
    +/- -/+  
الأية
29
 
فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }{ شهيدا }{ مفعول , أي كفى الله شهيدا , أو تمييز , أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم . إِنْ كُنَّا أي ما كناعَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ; لأنا كنا جمادا لا روح فينا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
    +/- -/+  
الأية
30
 
هُنَالِكَ في موضع نصب على الظرف . تَبْلُو أي في ذلك الوقت .{ تبلو }{ أي تذوق . وقال الكلبي : تعلم . مجاهد : تختبر . كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ أي جزاء ما عملت وقدمت . وقيل : تسلم , أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها . وقرأ حمزة والكسائي }{ تتلو }{ أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها . وقيل : { تتلو }{ تتبع ; أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا ; قاله السدي . ومنه قول الشاعر : إن المريب يتبع المريبا كما رأيت الذيب يتلو الذيبا وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ بالخفض على البدل أو الصفة . ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات ; يكون التقدير : وردوا حقا , ثم جيء بالألف واللام . ويجوز أن يكون التقدير : مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه . والوجه الثالث أن يكون مدحا ; أي أعني الحق . ويجوز أن يرفع }{ الحق } , ويكون المعنى مولاهم الحق - على الابتداء والخبر والقطع مما قبل - لا ما يشركون من دونه . ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه ; أي كل عدل وحق فمن قبله , وقال ابن عباس : { مولاهم بالحق }{ أي الذي يجازيهم بالحق . فإن قيل : كيف قال : { وردوا إلى الله مولاهم الحق }{ وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم . قيل ليس بمولاهم في النصرة والمعونة , وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم . وَضَلَّ عَنْهُمْ أي بطل . مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }{ يفترون }{ في موضع رفع وهو بمعنى المصدر , أي افتراؤهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
    +/- -/+  
الأية
31
 
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة عليهم ; فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم , ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه السماوات والأرض لا بد لهما من خالق ; ولا يتمارى في هذا عاقل . وهذا قريب من مرتبة الضرورة .{ من السماء }{ أي بالمطر .{ والأرض }{ بالنبات . أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ أي من جعلهما وخلقهما لكم . وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ أي النبات من الأرض , والإنسان من النطفة , والسنبلة من الحبة , والطير من البيضة , والمؤمن من الكافر . الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ أي يقدره ويقضيه . الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله ; أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوااللهُ لهم يا محمد . فَقُلْ أَفَلَا أي أفلا تخافون عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ
    +/- -/+  
الأية
32
 
فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فيه ثماني مسائل : الأولى : { فذلكم الله ربكم الحق }{ أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق , لا ما أشركتم معه .{ فماذا بعد الحق } { ذا }{ صلة أي ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال . وقال بعض المتقدمين : ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال ; لأن أولها }{ فذلكم الله ربكم الحق }{ وآخرها }{ فماذا بعد الحق إلا الضلال }{ فهذا في الإيمان والكفر , ليس في الأعمال . وقال بعضهم : إن الكفر تغطية الحق , وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى ; فالحرام ضلال والمباح هدى ; فإن الله هو المبيح والمحرم . والصحيح الأول ; لأن قبل }{ قل من يرزقكم من السماء والأرض }{ ثم قال }{ فذلكم الله ربكم الحق }{ أي هذا الذي رزقكم , وهذا كله فعله هو .{ ربكم الحق }{ أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة , وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق . الثانية : قال علماؤنا : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى , وكذلك هو الأمر في نظائرها , وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد ; لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي , وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } [ المائدة : 48 ] , وقوله عليه السلام : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات )  . والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها . الثالثة : ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال : ( اللهم لك الحمد )  الحديث . وفيه ( أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق )  الحديث . فقوله : ( أنت الحق )  أي الواجب الوجود ; وأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب . وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ; وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم , ويجوز عليه لحاق العدم , ووجوده من موجده لا من نفسه . وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر , كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وإليه الإشارة بقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } [ القصص : 88 ] . الرابعة : مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا , كما في هذه الآية . وكذلك أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا ; قال الله تعالى : { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } [ لقمان : 30 ] . والضلال حقيقته الذهاب عن الحق ; أخذ من ضلال الطريق , وهو العدول عن سمته . قال ابن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك غير سبيل القصد ; يقال : ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه . وخص في الشرع بالعبارة في العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال ; ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك , وعليه حمل العلماء قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } [ الضحى : 7 ] أي غافلا , في أحد التأويلات , يحققه قوله تعالى : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } [ الشورى : 52 ] . الخامسة : روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال }{ قال : اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال . وروى يونس عن ابن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة ; فقال مالك : ما يعجبني ! وليس من شأن المؤمنين , يقول الله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } . وروى يونس عن أشهب قال : سئل - يعني مالكا - عن اللعب بالشطرنج فقال : لا خير فيه , وليس بشيء وهو من الباطل , واللعب كله من الباطل , وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل . وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج : هي من الباطل ولا أحبها . السادسة : اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار ; فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام , لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له , وأنه إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته . وأما الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج , إذا كان عدلا في جميع أصحابه , ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارا , فإن لعب بها قمارا وكان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل . وقال أبو حنيفة : يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو ; فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم . قال ابن العربي : قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة . والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام . السابعة : قال علماؤنا : النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل , وكذا هو الشطرنج إذ هو أخوه غذي بلبانه . والنرد هو الذي يعرف بالباطل , ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضا بالأرن ويعرف أيضا بالنردشير . وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه )  . قال علماؤنا : ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن يأكله , وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز ; يبينه قوله صلى الله عليه وسلم : ( من لعب بالنرد فقد . عصى الله ورسوله )  رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح , وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة , وكذلك الشطرنج , لم يستثن وقتا من وقت ولا حالا من حال , وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله ; إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار ; لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار . وحمل ذلك على العموم قمارا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله . قال أبو عبد الله الحليمي في كتاب منهاج الدين : ومما جاء في الشطرنج حديث يروى فيه كما يروى في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله )  . وعن علي رضي الله عنه أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال : ( أما والله لغير هذا خلقتم ! أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم )  . وعنه رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ; لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير من أن يمسها . وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال هي شر من النرد . وقال أبو موسى الأشعري : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ . وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال : دعونا من هذه المجوسية . وفي حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكعاب مقته الله ومن جلس إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم محيت عنه حسناته كلها وصار ممن مقته الله )  . وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار , والله أعلم . وقد ذكرنا في }{ المائدة }{ بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به , والله أعلم . قال ابن العربي في قبسه : وقد جوزه الشافعي , وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول : هو مندوب إليه , حتى اتخذوه في المدرسة ; فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد . وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها ; وما كان ذلك قط ! وتالله ما مستها يد تقي . ويقولون : إنها تشحذ الذهن , والعيان يكذبهم , ما تبحر فيها قط رجل له ذهن . سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة : إنها تعلم الحرب . فقال له الطرطوشي : بل تفسد تدبير الحرب ; لأن الحرب المقصود منها الملك واغتياله , وفي الشطرنج تقول : شاه إياك : الملك نحه عن طريقي ; فاستضحك الحاضرين . وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها : { فماذا بعد الحق إلا الضلال }{ وتارة استهان بالقليل منها والأهون , والقول الأول أصح والله أعلم . فإن قال قائل : روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال : وما الشطرنج ؟ فقيل له : إن امرأة كان لها ابن وكان ملكا فأصيب في حرب دون أصحابه ; فقالت : كيف يكون هذا أرونيه عيانا ; فعمل لها الشطرنج , فلما رأته تسلت بذلك . ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال : لا بأس بما كان من آلة الحرب ; قيل له : هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب . وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب , فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال : لا بأس بما كان من آلة الحرب , إن كان كما تقولون فلا بأس به , وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه , فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس يتلهى به , وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه , أو على أن الخبر المسند لم يبلغهم . قال الحليمي : وإذا صح الخبر فلا حجة لأحد معه , وإنما الحجة فيه على الكافة . الثامنة : ذكر ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مر بغلمان يلعبون بالكجة , وهي حفر فيها حصى يلعبون بها , قال : فسدها ابن عمر ونهاهم عنها . وذكر الهروي في باب ( الكاف مع الجيم )  في حديث ابن عباس : في كل شيء قمار حتى في لعب الصبيان بالكجة ; قال ابن الأعرابي : هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدورها كأنها كرة , ثم يتقامرون بها . وكج إذا لعب بالكجة . فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
    +/- -/+  
الأية
33
 
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي حكمه وقضاؤه وعلمه السابق . عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أي خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا . أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون . وفي هذا أوفى دليل على القدرية . وقرأ نافع وابن عامر هنا وفي آخرها }{ كذلك حقت كلمات ربك }{ وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة . الباقون بالإفراد و }{ أن }{ في موضع نصب ; أي بأنهم أو لأنهم . قال الزجاج : ويجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من كلمات . قال الفراء : يجوز }{ إنهم }{ بالكسر على الاستئناف .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
    +/- -/+  
الأية
34
 
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ أي آلهتكم ومعبوداتكم . مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير ; فإن أجابوك وإلا ف } قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده "قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وليس غيره يفعل ذلك . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
    +/- -/+  
الأية
35
 
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يقال : هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد ; وقد تقدم . أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ; فإذا قالوا لا ولا بد منهقُلِ لهماللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ثم قل لهم موبخا ومقررا . أَفَمَنْ يَهْدِي أي يرشد . إِلَى الْحَقِّ وهو الله سبحانه وتعالى . أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا , ولا تمشي إلا أن تحمل , ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل . قال الشاعر : للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه وقيل : المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا . وفي }{ يهدي }{ قراءات ست : الأولى : قرأ أهل المدينة إلا ورشا }{ يهدي }{ بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال ; فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله : { لا تعدوا }{ وفي قوله : { يخصمون } . قال النحاس : والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به . قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر , وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة . الثانية : قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان , على مذهبه في الإخفاء والاختلاس . الثالثة : قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن } يهدي }{ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال , قال النحاس : هذه القراءة بينة في العربية , والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء . الرابعة : قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير , إلا أنهم كسروا الهاء , قالوا : لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر . قال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر . الخامسة : قرأ أبو بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال , كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في }{ يخطف } [ البقرة : 20 ] وقيل : هي لغة من قرأ }{ نستعين } , و }{ لن تمسنا النار }{ ونحوه . وسيبويه لا يجيز }{ يهدي }{ ويجيز } تهدي }{ و }{ نهدي }{ و }{ إهدي }{ قال : لأن الكسرة في الياء تثقل . السادسة : قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش }{ يهدي }{ بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال ; من هدى يهدي . قال النحاس : وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة , وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا : { يهدي }{ بمعنى يهتدي . قال أبو العباس : لا يعرف هذا , ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره , تم الكلام , ثم قال : { إلا أن يهدى }{ استأنف من الأول , أي لكنه يحتاج أن يهدى ; فهو استثناء منقطع , كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع , أي لكنه يحتاج أن يسمع . وقال أبو إسحاق : { فما لكم }{ كلام تام , والمعنى : فأي شيء لكم في عبادة الأوثان . ثم قيل لهم : { كيف تحكمون }{ أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح , تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها , والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته ; فموضع }{ كيف }{ نصب ب } تحكمون } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
    +/- -/+  
الأية
36
 
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا يريد الرؤساء منهم ; أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة تشفع , ولا حجة معهم . وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا . إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا أي من عذاب الله ; فالحق هو الله . وقيل }{ الحق }{ هنا اليقين ; أي ليس الظن كاليقين . وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد . إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ من الكفر والتكذيب , خرجت مخرج التهديد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
    +/- -/+  
الأية
37
 
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ }{ أن }{ مع }{ يفترى { مصدر , والمعنى : وما كان هذا القرآن افتراء ; كما تقول : فلان يحب أن يركب , أي يحب الركوب , قاله الكسائي . وقال الفراء : المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ; كقوله : { وما كان لنبي أن يغل } [ آل عمران : 161 ] { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } [ التوبة : 122 ] . وقيل : { أن }{ بمعنى اللام , تقديره : وما كان هذا القرآن ليفترى . وقيل : بمعنى لا , أي لا يفترى . وقيل : المعنى ما كان يتهيأ لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله تعالى لإعجازه ; لوصفه ومعانيه وتأليفه . وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قال الكسائي والفراء ومحمد بن سعدان : التقدير ولكن كان تصديق ; ويجوز عندهم الرفع بمعنى : ولكن هو تصديق .{ الذي بين يديه }{ أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب , فإنها قد بشرت به فجاء مصدقا لها في تلك البشارة , وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة . وقيل : المعنى ولكن تصديق النبي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم ; لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن . وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ بالنصب والرفع على الوجهين المذكورين في تصديق . والتفصيل التبيين , أي يبين ما في كتب الله المتقدمة . والكتاب اسم الجنس . وقيل : أراد بتفصيل الكتاب ما بين في القرآن من الأحكام . لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ الهاء عائدة للقرآن , أي لا شك فيه أي في نزوله من قبل الله تعالى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
    +/- -/+  
الأية
38
 
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ أم هاهنا في موضع ألف الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها . وقيل : هي أم المنقطعة التي تقدر بمعنى بل والهمزة ; كقوله تعالى : { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه } [ السجدة : 1 - 2 - 3 ] أي بل أيقولون افتراه . وقال أبو عبيدة : أم بمعنى الواو , مجازه : ويقولون افتراه . وقيل : الميم صلة , والتقدير : أيقولون افتراه , أي اختلق محمد القرآن من قبل نفسه , فهو استفهام معناه التقريع . قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ومعنى الكلام الاحتجاج , فإن الآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله ; لأنه مصدق الذي بين يديه من الكتب وموافق لها من غير أن يتعلم محمد عليه السلام عن أحد . وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى . وقد مضى القول في إعجاز القرآن , وأنه معجز في مقدمة الكتاب , والحمد لله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
    +/- -/+  
الأية
39
 
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره , وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال ; فهذا يدل على أنه يجب أن ينظر في التأويل . وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم . أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار , ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب ; قاله الضحاك . وقيل للحسين بن الفضل : هل تجد في القرآن ( من جهل شيئا عاداه )  قال نعم , في موضعين : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }{ وقوله : { وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } [ الأحقاف : 11 ] . كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد الأمم الخالية , أي كذا كانت سبيلهم . والكاف في موضع نصب . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي أخذهم بالهلاك والعذاب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
    +/- -/+  
الأية
40
 
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ قيل : المراد أهل مكة , أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه ; لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعداء . و }{ من }{ رفع بالابتداء والخبر في المجرور . وكذا . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ والمعنى ومنهم من يصر على كفره حتى يموت ; كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما . وقيل : المراد أهل الكتاب . وقيل : هو عام في جميع الكفار ; وهو الصحيح . وقيل . إن الضمير في }{ به } يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ; فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخر العقوبة لأن منهم من سيؤمن . وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي من يصر على كفره ; وهذا تهديد لهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
    +/- -/+  
الأية
41
 
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي رفع بالابتداء , والمعنى : لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى . وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي جزاؤه من الشرك . أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مثله ; أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر . وهذه الآية منسوخة بآية السيف ; في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ
    +/- -/+  
الأية
42
 
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ يريد بظواهرهم , وقلوبهم لا تعي شيئا مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن ;أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ أي لا تسمع ; فظاهره الاستفهام ومعناه النفي , وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها , أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع الهدى . وكذا المعنى في : { ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ
    +/- -/+  
الأية
43
 
أخبر تعالى أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته . وهذا وما كان مثله يرد على القدرية قولهم ; كما تقدم في غير موضع . وقال : { يستمعون }{ على معنى }{ من }{ و } ينظر }{ على اللفظ ; والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم , أي كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به , فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألا يؤمنوا . ومعنى : { ينظر إليك }{ أي يديم النظر إليك ; كما قال : { ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } [ الأحزاب : 19 ] قيل : إنها نزلت في المستهزئين , والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
    +/- -/+  
الأية
44
 
لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم , وأن تقدير الشفاء عليهم وسلب سمع القلب وبصره ليس ظلما منه ; لأنه تصرف في ملكه بما شاء , وهو في جميع أفعاله عادل .{ ولكن الناس أنفسهم يظلمون }{ بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم . وقرأ حمزة والكسائي } ولكن }{ مخففا }{ الناس }{ رفعا . قال النحاس : زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت }{ ولكن }{ بالواو آثرت التشديد , وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف , واعتل في ذلك فقال : لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل , وإذا جاءوا بالواو خالفت بل فشددوها ونصبوا بها , لأنها }{ إن }{ زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحد ; وأنشد : ولكنني من حبها لعميد فجاء باللام لأنها }{ إن } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
    +/- -/+  
الأية
45
 
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا بمعنى كأنهم خففت , أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم . إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أي قدر ساعة : يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث ; دليله قولهم : { لبثنا يوما أو بعض يوم } [ الكهف : 19 ] . وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر . ابن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة . يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في } يحشرهم } . ويجوز أن يكون منقطعا , فكأنه قال فهم يتعارفون . قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ; وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح ; يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ; وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف . ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال : { ولا يسأل حميم حميما } [ المعارج : 10 ] . وقيل : يبقى تعارف التوبيخ ; وهو الصحيح لقوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون }{ إلى قوله }{ وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } [ سبأ : 31 - 33 ] وقوله : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } [ الأعراف : 38 ] الآية , وقوله : { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } [ الأحزاب : 67 ] الآية . فأما قوله : { ولا يسأل حميم حميما }{ وقوله : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم } [ المؤمنون : 101 ] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة , والله أعلم . وقيل : القيامة مواطن . وقيل : معنى }{ يتعارفون }{ يتساءلون , أي يتساءلون كم لبثتم ; كما قال : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } [ الصافات : 27 ] وهذا حسن . وقال الضحاك : ذلك تعارف تعاطف المؤمنين ; والكافرون لا تعاطف عليهم ; كما قال : { فلا أنساب بينهم } . والأول أظهر , والله أعلم . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أي بالعرض على الله . ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور , أي خسروا ثواب الجنة . وقيل : خسروا في حال لقاء الله ; لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة . قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم , يقولون هذا .{ وما كانوا مهتدين } يريد في علم الله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ
    +/- -/+